لا أحد لم يعرف يوماً كلمة أمي التي تملأ كيانه بأجمل معنى يحمله الإنسان في أعماقه، خاصة في تلك المرحلة المبكرة من حياته عندما يكون التعلق بالأم نابعاً من الحاجة التي لا تفسير لها، والتي حار العلم في إيضاح معناها الخفي، وليس له سوى التسليم بحكمة قدرية تتجاوز حدود البشر وطاقتهم على الفهم.

غير أن الفن يعطي الأمومة قيمة غير تلك التي يعرفها عامة الناس، لأن الفن يرسخ مفاهيم مختلفة في الذاكرة، ومثالنا على ذلك أغنية "ست الحبايب" التي غنتها فايزة أحمد عام 1958، من كلمات حسين السيد وألحان محمد عبد الوهاب، والتي أصبحت أيقونة في الإذاعات العربية لأكثر من نصف قرن.

وعلى الضفة الأخرى كانت أغنية "أحن إلى خبز أمي" التي كتبها محمود درويش خلف القضبان عام 1965، وغناها مارسيل خليفة مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، تسبح في تيار من جيشان العاطفة الثورية التي تربط الأرض بالأم بالطفولة، وبينهما لا تنفك من الذاكرة أغنية "يامو" لدريد لحام (غوار الطوشة) تقفز إلى الواجهة، كأكثر أغنية شعبية عرفها السوريون والعرب بوصفها نتاج الفقر الاشتراكي الذي يدفع الأمهات إلى التحسر والبكاء.

والاشتراكية بالاشتراكية تذكر، فقد نالت رواية "الأم" للروائي مكسيم غوركي التي كتبها عام 1907، اهتماماً "رفاقياً" لأنها تمثل إحدى ذرى الوعي الاجتماعي الفطري لدى "بيلاغيا"، الأم التي لا تقرأ ولا تكتب ولكنها تنخرط بين صفوف أصدقاء ابنها العمال، وتتحول إلى رفيقة مناضلة..

تتداعى قصص الأم إبداعياً عبر أكثر من جغرافيا وأكثر من تاريخ؛ من برتولد بريخت في مسرحية "دائرة الطباشير القوقازية" منتصف عشرينيات القرن الماضي، إلى رواية "أم سعد" التي كتبها غسان كنفاني عام 1969، وصولاً إلى رائعة سعيد عقل "أمي يا ملاكي" التي صدحت بها فيروز في صباحاتنا، وهل أجمل من فيروز عندما تغني:

عيناكِ ما عيناكِ أجمل ما كوكب في الجلد

أمي يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد