على فترات متقاربة يرحل الشعراء بسرعة، وكأنهم يركضون نحو عربة الموت قبل أن يتركهم القطار في محطة الحياة المنسية، لعلهم في سباقهم يتركون لنا علامة تدل على ما تركوه من قيمة فنية تُضاف إلى قاموس البشرية. أنسي الحاج قفز إلى عربة القطار مثلما قفز جوزيف حرب وأحمد فؤاد نجم وسليمان العيسى من قبل..

المشترك بين هؤلاء الشعراء الراحلين ليس ما تركوه من شعر ينتسب إلى مدرسة بعينها، المشترك بينهم مواقفهم السياسية التي لم تظهر للعلن في حوار أو في نص شعري، خاصة من الثورة في سوريا، ولكن في تاريخهم الذي كان على مسافة قريبة من الطروحات الأيديولوجية الرسمية السورية، ذلك التاريخ الذي بات الناس ينظرون إلى إبداعهم من خلاله، وقلة هم من يفصلون الفن عن السياسة وعن المواقف الشخصية.

وعليه، لم تتوقف مواقع التواصل الاجتماعي عن البحث في فجوات في مسيرتهم، وكم هو مؤسف أن بعض الذين كتبوا عن هؤلاء الشعراء الراحلين لم يقرأوا لهم حرفاً، فقط نظروا إلى النصف الفارغ من الكأس وقالوا ما قالوه في صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

شخصياً، تعرفت إلى كتابة أنسي الحاج أواخر الثمانينيات عبر مجلة (الناقد)، حيث مقاله الشهري خواتم، ثم قرأت (الوليمة) ديوانه الصادر في التسعينيات عن دار رياض الريس، ثم عشقت قصيدته (ابحث عني) التي غنتها ماجدة الرومي وكان نادراً غناء قصيدة نثر، ولم أحمل ديوانه (لن) أو (الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع) لأتباهى أمام زميلات الدراسة، كما كان يفعل الشباب آنذاك، كانت قناعتي أن قراءة الشعر تحتاج إلى وعي، وقد قرأتُ أنسي الحاج متأخراً ولا أنظر إلى نصف كأسه الفارغ، بعد رحيله، لقد أعطى الشعر لمسته المخملية العميقة وبموته سيخف بريق القصيدة العربية.