طوابير تونس وهي تستفتي على الدستور ومن قبلها طوابير مصر تدفع إلى كثير من التفاؤل بمستقبل أفضل لبلدين عبرا برزخ التغيير بخسائر قليلة وعزيمة أشد، نقول خسائر قليلة عندما نقيسها بليبيا أو اليمن أو سوريا إذ الخسائر خارج التقدير، وخارج التصنيف، ويخشى المرء أن تكون مهمة السوريين في جنيف 2 هي فك الحصار والسماح بمرور حليب الأطفال ودواء للعجائز وخبز للناس.
من المخجل أن يجتمع ممثلون لأكثر من أربعين دولة في احتفال المفاوضات لحل النزاع الدموي في سوريا، بينما لا يرى المفاوضون الأمر من النافذة ذاتها بكل أسف، لأن كلمة مفاوضات ليست في قاموس وفد النظام، بل هي محادثات لوقف الإرهاب، في حين يرى وفد المعارضة أنها مفاوضات نحو هيئة حكم انتقالي استناداً إلى جنيف1، النظام لا يرى جنيف واحد، المعارضة لا ترى النظام سوى من تلك النافذة.
لأن أخبار جنيف «تلوع الكبد»، كما يقول الأخوة في الخليج، نيمم وجهنا شطر تونس التي بدأت ملامح حياتها الجديدة تتضح مع دستور جديد، ما يعني أن الربيع ليس دموياً كما هي الحال في سوريا أو مصر، والرياح السوداء التي تهب فيه سرعان ما تبددها أزهار الصباح وهي تتفتح مع أول شعاع شمس.
مشهد تونس بدستورها وطوابير ناخبيها يدفع حقاً إلى الفرح، وهو يعني في ما يعنيه وعياً متقدماً في محيط يمور بالديماغوجيات، وتكاد الأفكار السقيمة المتسللة إلى المدارس أو المساجد أو الجامعات أن توهنه، غير أنها لا تجد حاضنتها الاجتماعية التي تعيد إنتاجها، تلك الأفكار السوداء القائمة على الإقصاء تقهقرت في تونس، علّ عدواها تنتقل، فيثمر حقلهم، وتنتعش حياتهم، ويصل شذاها إلى جنيف.