من دلائل قصور الإنسان عن الرشد، أن تجده قد شغل نفسه بما يعيبها ونأى عما يزينها، فلا هو إلى السماء ارتفع ولا إلى الأرض أخلد.. مذبذب، لا هنا ولا هناك..
فالقاصر شخص يحتاج إلى وصاية، لأنه لا يقدر على أن يقوم بتكاليف الحياة لنفسه، وهو ـ مع ذاك ـ رقيق العقل، كَلٌّ على أهله، أينما يوجهونه لا يأتيهم بخير.
وأخطر ما تواجهه الجماعة البشرية، هو أن يحكمها قاصر لا يدري كيف يصنع بنفسه، بَلْهَ جماعته.. فهو لا يبني لها المرافق، ولا يشيد لها العمران، ولا يخضر الصحراء، ولا يرتقي بالإنسان.. والأدهى من كل ذلك أنه وإن وجد أرضاً مخضرة وبنياناً مشيداً وسلاماً شاملاً، عمل على هدم كل أولئك، من باب التسلية وتزجية الوقت.. فهو يرى كل صيحة عليه، وكل سريرة مؤامرة، وكل خطاب إعلان حرب..
يشعل الحروب لأنه يضيق بالرأي الآخر، ويقتل الناس لأنه لا يستحسن سحنتهم، ولا يرى رأياً للناس إلا ما تفتقت به ذهنيته.
هؤلاء كثر في وطننا العربي، والإسلامي، والإفريقي، والآسيوي.. سيماهم واضحة وظاهرة، فهم قليلاً ما يقرأون، كثيراً ما يتكلمون ويرقصون، نادراً ما يفكرون..
شعوبهم تعيش في ضنك العيش وهم يمرحون، ثم إنهم من بعد ذلك، ومع ذلك، على شعوبهم يستكبرون.
يحرّمون ما أحل الله، من عند أنفسهم، فإذا كان الحق عليهم يلوون إلى الباطل..
أما الرُشّد من الحكام فتجدهم لا شغل لهم إلا أهلهم، يسهرون ليرفعوا عنهم المعاناة، ويقرؤون ليكتبوا لشعوبهم سنن الحياة وخططها، يشعلون بلادهم فناً وفرحاً ومرحاً وفكراً وثقافة، ويديرون تنوعاً كبيراً في السحنات والألوان والأعراق والأديان.. حتى ليكاد المرء أن يتخطفهم من أهلهم ليشيد بهم بلاده..
فلله در الراشد حاكماً ومحكوماً، وشفى الله أخا الجهالة إذ بجهالته ينعم.