إلى شتاء مرّ من هنا
بلا موعد، يأتي هذا المطر الحنون على الصحراء.. مطر لا ينتسب إلى أي من الفصول، بقدر ما يرتبط بالقدر الإلهي.. هنا، ليس من فصول متعددة، البرد والحر والصحو والهطول تجتمع في حقبتين من السنة.. ربما العلاقة بين الغيث النازل من الغيم، وبين التربة، هي غيرها مع الرمل. الرمل يضحك في الشتاء، كأن المطر يدغدغه، والتراب يبكي من الفرح.
ما أعرفه من ذاكرة الطفولة، أن ثمة علاقة عشق أزلية بين الماء والتراب، تعود إلى اليوم الذي خلق فيه الله الإنسان من ماء وطين، ونفخ فيه الروح. في الشتاء، يمكننا أن نشعر بالحياة أكثر، وأن نحبَّ بلا ملل.
هذا الصباحُ، رأيتُ المطرَ بأمّ عيني، والأشجار تذرف دموع الفرح، كأنها في ليلة عرسها..
لمحتها هذا الصباح من شرفتي، وهي تلوّح بأغصانها للعصافير البردانة: تعالي إلى أحضاني الدافئة.. شاهدتُ أيضاً، النباتات التي زرعتها، وهي تشكر الله.
ملامح في المرآة
نظرتُ إلى المرآة لأتفقد وجهي، لم أجد إلا سحنتي السقيمة، ثم لمحت آثار يدكِ على يدي، وعلى الوجنتين دموع قديمة. كأن لمستك التي ترسم الزمان، عصيّة على الماء.. أو كأن الريح لم تهبّ في الشتاء، ولا الشمس أشرقت لتمسح هذا البكاء.
يا وجهي الذي سيغيب، سأنظر إليك مليّاً في الصور التي تختزل محطات العمر الذي مضى وسيأتي، والذي لن يأتي. وسأحفظ تلك الملامح عن ظهر قلب.. الشعر والعينان والغمازة الفارقة، وعبوس اللحظة والابتسامة السابقة، والذاكرة والنسيان أيضاً.
فاصلة
كما النار تشرب الماء، لتطفئ ظمأها، أعدو خلف ظلّكِ، لأمسكَ بكِ قبل أن تغيب الشمس.