في الوقت الذي يحتضر فيه المسرح حول العالم، وتتراجع فيه التظاهرات المسرحية، كما يتراجع تأليف المسرحيات وباقي الأعمال المتصلة بـ «أبو الفنون»، تتصدى الشارقة لتنظيم تظاهرة مسرحية كبيرة هي (مهرجان المسرح العربي)، وتعرض على خشباتها عشرات المسرحيات طيلة أسبوع، ويحتشد المئات يومياً لمشاهدة العروض (ثلاثة أو أربعة عروض يومياً) تتوزع على خشبات مسارح الشارقة، يجد المرء نفسه أمام منحنى آخر لنشر الثقافة، بمفهوم الفرجة الجماهيرية، والمسرح أبرزها.

مسرحيات من مختلف الدول العربية، فيها جميع ألوان المدارس المسرحية، رغم تفاوت مستواها، جاءت صدى لحالة اجتماعية سياسية حضرت فيها الثورات، وعلا فيها صراخ اليأس، وكثر فيها التهكم على ما مضى، وما سوف يأتي، وبينهما نبتت زهرة الأمل، حيث أجيال شابة تصعد الخشبة بطاقتها الكبيرة، تعرض مواهبها. والخوف كل الخوف أن يسرقها التلفزيون من متعة الفكر إلى لمعة الضوء، التي نادراً ما نجد ممثلاً يقاوم طعنته النافدة.

ما يلفت النظر في تظاهرة المسرح العربي؛ تلك الجموع التي جاءت بالمئات لحضور العروض، إذ نادراً ما نجد مقعداً شاغراً في إحدى الصالات، بل دفع زحام الصالة بالجمهور إلى افتراش الأرض بين الممرات وعلى الأطراف وقرب جدران الصالة، طقس يذكّر بقيمة الفن العظيم، الذي يحرص المرء على عدم تفويته، فالمسرح الجيد يشبه لمعة البرق، خاطفة ونادرة.

تظاهرة المسرح تعيد طرح أسئلة دائمة التكرار، ترى هل ستبقى الصالات مكتظة لو أن العروض المسرحية كانت طيلة العام، وليست مقتصرة على المهرجانات، وهل سيتحول معها حضور المسرحيات إلى طقس اجتماعي يعيد إليه قيمته في نشر الثقافة وتوسيع المعرفة، وهل تتوفر مسرحيات بتلك القيمة الفنية التي يحرص الناس على حضورها ؟

أجزم أن لا إجابة شافية لأسئلة كهذه، لكن عندما يتوفر المستوى اللائق فكرياً للمسرح، وفنياً للعرض وللمشاهدة، تطرح الأسئلة عن عزوف الجمهور. ومن يرى جمهور المسرح في الشارقة هذه الأيام سيدفعه للتساؤل عن مسرح مزدهر ودائم العروض، موجود في مكان ما، فقط لو بحثنا عنه قليلاً..