لكل قطرة ماء طقوسها، ولكل غيمةٍ أرضٌ ترويها، ولكل زخة مطر حكاية ومغزى يختلفان من مكان لآخر، لكن المعنى واحد وان تعددت الغيمات وتباعدت الجغرافيا، غير أن قصيدة السياب "أنشودة المطر" تبقى الأبرز في الأذهان نظراً للانعطافة التي أحدثتها في الثقافة الشعرية العربية، فعندما تسقط أولى القطرات وتبلل ثيابنا سرعان ما يذهب التفكير نحو الخير الذي تمنحه السماء بعد طول احتباس، نحو شعور بالفرح يعرفه الأطفال جيداً، والذاكرة الشعبية مليئة بأمثلة المطر وأغنياته وطاقته الوجدانية التي تجددها الأيام.

وفي ذاكرة كل منا حكاية عن المطر، عن لحظة عاصفة دفعته للاحتماء تحت الشرفات حيث تسارع بنات الجيران إلى تغطية الطاولات الخشبية أو يسارعن لجمع الغسيل كي لا يبتل، لكل منا حكايته عندما يهطل المطر وهو يحث الخطوات نحو مظلة نسائية حملتها زميلة الجامعة يلجأ إليها في الطريق المؤدية إلى مكان تمنى أن يطول الوصول إليه، حكاية ذلك الزجاج الذي يفصل المقهى عن شارع مبتل، زجاج يعبره المارة سريعاً مثل سنوات العمر وهي تطارد الزمن.

تعود بي ذاكرة المطر إلى أحد أجمل أفلام الاستعراض في تاريخ السينما انه فيلم «غناء تحت المطر» الذي أُنتج في العام 1952 من القرن العشرين، فيلم عذب يحكي بأسلوب كوميدي بسيط انتقال هوليوود من السينما الصامتة إلى السينما الناطقة خلال مرحلة العشرينيات، وحينها يغني جين كيلي أغنيته الشهيرة singing in the rain بطريقة استعراضية بمصاحبة المظلة وقد حوّلت حبات المطر ليله إلى بحر من اللؤلؤ راح يخوض فيه. ومن وحي هذا الفيلم تحولت المظلة في قاموس شباب تلك الأيام إلى قيمة مظهرية تضفي احتراماً على شخصية حاملها، وفي عُرف الإنجليز أن "الجنتلمان" هو الرجل الذي يرتدي قبعة ويحمل معه مظلة.

حكاية المطر في بلادنا قصيرة مثل الفرح أنفاسه لاهثة سرعان ما تنقطع، هكذا حال المطر يبرق في الذاكرة حاملاً ذكريات أيام خلت وتاركاً في الروح حنيناً لزمن لا يعود أبداً.