ليس أجمل من اللغة العربية وخيالات صورها ومفرداتها الغنية، إلا هي ذاتها.

ومن حق الشخص المفتتن بها، أن يمتطي حصان الكلام، ويمضي في فضائها أنّى شاء، ثم أن يجمع ما تفرّق من حروفها كيفما شاء، ويسقط الجملة الناقصة، ليكمّلها بذلك التيه الغريب من الحروف الملقاة على قارعة الطريق.

في القول العربي المكتوب ثمة كيمياء عجيبة، بها يستحيل الشخص نصّاً، وبها يعود لينظر إلى نفسه، التي صارت بساطاً من الكلمات. ينظر إليها من مسافة، تتراءى له صورته التي كانَهَا وكانَتهُ، بلا لَبسٍ أو شائبة. ثم لا ينفك العمر حين يلبسها وتلبسه، أن يُختزل كله ويتكثف ضمن الصورة إيّاها. ها هنا بالذات يتحصّل الحال.. يغدو الشخص هو النص، ويغدو النص هو الشخص. لا تباين في الأمر الواحد، ولا تفاوت بين الكلمات والحواس، ولا تنائي في الحال، ولا تمايز بين القَبلِ والبَعدِ، ولا بين الوراء والأمام، ولا كذلك بين الذي مضى وفات، والذي حلّ عليك في حاضرك.

ليست الكلماتُ، التي تقولها نثراً أو شعراً، أيها الإنسان العربي، في برهة استئناسٍ وتأمُلٍ، إلاّ أنت. والذاكرة، التي عرّفها الأوّلون والآخرون على أنها استرجاع لما كنته يوماً، هي ليست غير حضورك على التمام في هذا العالم الفسيح. فما تقوله عبر الجملة والمفردة، إنما هو أمرك ذاته على الجملة.

 والكلمة التي تظهر فيها على الناس، ما هي إلا صورة عن نفسك وأحوالك. لا شيء يصدر منك بخارج عنك. إنه أنت، بالاسم، والرسم، والأصل، والفصل. إنك كذلك حتى لو شئت تجزئة الصورة، أو تفكيك المشهد، أو تقسيط الأحوال.

لا تحتاج اللغة العربيةإلى احتفالية أو يوم عالمي للتضامن معها، فقط..

ما تريده حقاً، لغةٌ تتدفق كالنهر في مفرداتها ومعانيهاالتي لا تحد، هو الشغف بها، وصونها من شوائب الحداثة، وعبث العابثين..

خلاصة، ترنو هذه اللغة العظيمة إلى الاحترام، والتباهي بها أمام شعوب الأرض ولغاتهم.