لكل منا علاقته بالكتاب، علاقة تحكمها قواعد وجدانية، تبدأ في الصغر تسهم فيها الأسرة والمدرسة والحي وتصقلها المكتبة، والعلاقة تتوطد كلما تعمقت المعرفة، لأن الكتاب الزاد الذي لا يشبع منه المرء أبداً.
بين أروقة معرض الشارقة للكتاب مشيت وبصري على الأجنحة يقع تارة على كتب أعرفها وأخرى أتمنى قراءتها وثالثة لم أسمع بكاتبها، وقد عرضت بطرق جذابة فضلاً عن إخراجها الأنيق، تلك الكتب التي تنتمي لعصر الديجيتال لن تمحو من ذاكرتي بداية تعرفي إلى أمهات الكتب عندما كنت طفلاً.
في منتصف سبعينات القرن الماضي كنت أتردد على البقالة التي تواجه بيتنا في حلب، حيث كان صاحبها الحاج أبو عمر السواس (يحمل شهادتين جامعيتين) يبيع الكتب والقرطاسية إلى جانب المواد الغذائية وغيرها، وكان يؤجر الكتب لمن يرغب من أبناء الحي حسب حجم الكتاب، فقد قرأت «قصة مدينتين» بربع ليرة (25 قرش) و«البؤساء» بنصف ليرة و«ذهب مع الريح» بليرة واحدة، وكان الكتاب عملاقاً مهترئاً تعود طباعته للستينات، وكان عبئاً على الطفل آنذاك توفير ليرة لاستئجار الكتاب.
يومها قام الحاج أبو عمر بتقسيم الكتاب إلى جزأين وجلدهما بورق مقوى وكتب اسم الرواية والمؤلفة على كل جزء، وهكذا حصلت على الجزء الأول من «ذهب مع الريح» وقرأته في ثلاثة أيام وأعدته إلى السواس قائلاً لا يتوافر عندي نصف ليرة لقراءة الجزء الثاني، لذلك سأنتظر ريثما أحصل على مصروفي نهاية الأسبوع.
راح يقلب الكتاب بيديه فوجده نظيفاً أنيقاً، وبحسه الأبوي أدرك لهفتي وراح يسألني عن أبطال الرواية وعن أسماء الأماكن التي دارت فيها الأحداث، ثم أعطاني الجزء الثاني من الرواية لأقرأه قائلاً: «لما يصير معك نص ليرة أعطيني إياها».
لا أذكر إن كنت أعطيته نصف الليرة. لكن ما أذكره وأعرفه أن القراءة تنتشر بهذه الطريقة أيضاً، فلطالما كانت العفوية دليلاً طيباً نحو المعرفة.