الخريف.. البداية

إنه صديقي منذ الطفولة، خلافاً لأخي الأصغر، الذي كان يشعر خلاله بالكآبة. هذا الخريف، بالنسبة لي، ليس أبداً تقادم الزمن، واصفرار أوراق الشجر وتساقطها.. إنه البدء، فيه أتذكر دفاتري وكتبي الأولى والقلم الرصاص، والاستظهار والغناء، والتعلق البريء بجميلات الصف، وخلال أيامه، تنضج أكواز الرمان في حديقة بيتنا، التي كنت أنتظرها من عام إلى آخر.

وعنده تسكن ذكريات حكايات العشق التي عشتها، وللمصادفة، كلها كانت بداياتها بين أيلول وتشرين الثاني.

وفي الخريف، الذي هو نهاية أشياء وبداية أشياء أخرى، يتهيأ السحاب للتكثف والاستعداد لشهور مطر وبرد وثلوج، يأتي من بعدها الربيع والزرع والزهور، التي ينتظرها الصيف، ليحتفي بها مواسم ثمار وسنابل.

دعاء

يدي يدُك.. وشجرة اللوز التي ترتفع أغصانها لتعانق شرفتي، هي ذاتها التي سقاها الغيث الإلهي، بعد أن أقمنا صلاة الاستسقاء، فجر يوم خريفي من السنة الماضية، يومها أمطرت غزيراً، فكان الزهر بعد شهور قليلة، كنجوم بيضاء متلألئة على سجادة مزخرفة في فضاء الحديقة.

أفكر بعد قليلٍ، ونحن نمضي إلى فصل آخر، لو أن يدكِ و يدي، ترتفعان بالدعاء إلى الأعلى، وتسحبان قطعاناً من الغيم، وتصنعان بدفئهما برقاً ورعداً، ومطراً، ليتشكل نهرٌ من ماء الحياة العذب، يجري بين شعاب الروح وأوديتها العميقة.

سراب

خذي قلبي، وخذي أيضاً الدمعة والابتسامة، والنور الذي في العيون، لكن لا تسأليني: لمَ لا تحبّني؟

لأنني إذا ولجتُ الدروب إليكِ، سأخوض صراعي حتى النهاية، وسأستحوذ على النظرة الساهمة، والضحكة الصاخبة، وسنابل الشعر الطويل، وطيبة الروح الشهية، والوجه الذي يضيء في العتمة، والأغنيات العتيقة المخزنة في الحنجرة الصافية، ولن يبقى لك إلا الجسد السراب، فكيف لي أن أحبك، وقد منحتكِ مصادر الأحاسيس الأولى، وسلبتكِ العناصر كلها؟