من إيقاع سير المسافرين في المطارات يمكنك تخمين جنسيتهم، أو وجهتهم، المسرعون تدل عليهم سحنتهم الآسيوية؛ يابانيون، كوريون.. يخافون أن يتلكأ العمر فلا يستطيعون اللحاق بعربة التكنولوجيا التي لا تنتظر أحداً، الأوروبيون حقائبهم صغيرة تتدلى منها خرائط لأوابد لم يسمع بها أهل اليمن، أو لمغارات لا يعرفها ساكنو تورا بورا.. الأميركيون خطاهم ثقيلة، وأجسادهم منتفخة من دهون الفاست فود.
لذلك تراهم يتدافعون على مطاعم الهمبرغر فلا يتركون لك مقعداً لمزاحمتهم، أو طاولة لمجاورتهم.. الروس تدل عليهم أحذيتهم المصنوعة أيديولوجياً وهم يحملون نقودهم في حافظات جلدية مشدودة إلى كروشهم، نقود لا يعرف المرء من أين جاء بها هذا الشعب الذي قلصت معدته النظريات الثورية، وأطاحت جيناته الأممية بشعر رأسه.
العرب لا يمكن للمرء أن يفوتهم، حقائبهم كثيرة، أطفالهم أكثر، ثيابهم التقليدية أو المعاصرة من ماركات فاخرة، ورائحة العطور تقودك إليهم من على بعد خطوات، يمشون بخطى بطيئة، واثقون من المكان الذي يتجهون إليه.
من يمضي عدة ساعات في ردهات المطارات ولعدة مرات، سيجد نفسه قد أصبح فرداً في حلقة (قفاة الأثر)، هؤلاء الذين تراجع حضورهم في الحياة مع تقدم التكنولوجيا، لكن متابعة خطوات المسافرين تعيد إلى الذهن حياة الذين يقرؤون آثار الأقدام على الرمل، ويمكنهم قص أثر الخطوات ليس لمعرفة الوجهات، بل لمعرفة من هؤلاء وإلى أي أرض ينتمون.
المسافرون المتطفلون على المطارات لا يمكن تحديد جنسياتهم، فهم على الغالب تائهون، يسافرون للمرة الأولى تبهرهم حياة المطارات، خاصة في الترانزيت، حيث يتوقف الزمن الجغرافي، ويمكن ببساطة تمييزهم لأنهم يرتادون الحمامات بكثرة، ربما لأنها مجانية في المطارات أو لأنهم متخمون بالسوائل، هؤلاء لا يصنفون، خطاهم لا تدل عليهم، وعيونهم ضائعة في المجهول.