ظلام
ينجلي الليل عن نهار آخر، وينزع البياض رداءه المعتم.. وفي مكان سفليّ من الهيكل ينهض الحارس مرتعداً، كأنما استفاق من كابوس، يستوي قليلاً على طرف المخدع، كبعير أهلكه الظمأ. يتناول كأساً، يجرع بعضاً مما فيها، ليسقي شفتين نضب ماؤهما، ولساناً تصحّرت على رأسه الكلمات. هو ذا، يتهيّأ لنشيد جديد، يلبس، يعتمر، ينتعل، ثم يركب الأرض خبباً في اتجاه المنصّة.
إني قد جئتكم بسوطي، أعتلي صهوتي، والأمر لي.. خذوا عني تعاليمكم.. هذا سيفي إليكم، وإن شئتم عليكم. تعالوا إلى ميدان احتفالي، اشهدوا جنون غرائزي، وانتظروا حتفكم..
موج الجمهرات يدور دورته في الاتجاه المعاكس للمنصة، ويلحقها واحدة، واحدة.. يستلُّ أمير الظلمات خنجره، يهوي به ضربة في الهواء، يدور حول نفسه دورتين أو ثلاثاً. يهوي ثانية، يختلّ توازنه الوهمي. يدور أيضاً وأيضاً. يتملّكه الدوار، يفقد صواب الرحلة، ويترنّح مثل هر مقصوص الشاربين.
وما يلبث أن يقف على نصف قامة، ويستجمع بعضاً من كبريائه المعهود ليطلق نشيده الأخير: أين أنتم يا أبناء الخيانة الأبدية؟
قفوا لقبلتي وانصتوا: أنا الجوع الضاري أنا الدّاء الأكبر، أتوغَّل في خلاياكم.. أنا الخوف والرعب وعلامات الفناء.. قدِّسوا قامتي، أنا الفوضى .. أنا العبث.
حرية
ولدتني أمي حراً، ووهبني الله عقلاً ولساناً وأذنين وعينين وقلباً، لأحس بالأشياء كما يراها الخالق العظيم.. ولن أفرّط بحريتي، ولن أخضع لاستبداد ثقافي يدعي الحرص على "حرية الرأي والرأي الآخر"، ولن أكون لقمة سائغة لترهيب لا يقل وطأة عن الفكر الشمولي لأنظمة الحزب الواحد.
ومثلما أرفض الاستبداد والظلم والاضطهاد والتعصب في أي بقعة على الأرض، فسأسخر بكل ما لديّ من قدرة على الضحك والاستهزاء من استغلال الدين في حركات التغيير المطالبة بالإصلاح والتغيير والعدالة الاجتماعية، وسأضع علامات استفهامي على الحركات المفبركة والمستعارة من "العم سام".