أطلقت ظاهرة الربيع العربي حشداً من الكتب التي يتصدى مؤلفوها لجوانب مختلفة من هذه الظاهرة، أو لتجلياتها في دولة بعينها، أو لمساهمات حزب أو جماعة بعينها في فعالياتها.
من المؤسف حقاً أن جانباً كبيراً من هذه الكتب لا يستحق الورق والحبر اللذين أهدرا في طباعتها، فهي إما أن تعكس سطحية مزعجة في التناول، أو انحيازاً مسبقاً من جانب مؤلفيها لتفسير بعينه للظاهرة أو لتيار من المشاركين في صنعها، أو انصياعاً لرؤية أيديولوجية أو عقيدية بعينها، بغض النظر عما نراه على أرض الواقع.
من الاستثناءات النادرة حقاً من هذه القاعدة، كتاب صدر قبل أيام قليلة بعنوان «الشرق الأوسط الجديد: العالم بعد الربيع العربي» لمؤلفه بول داناهار، المراسل المخضرم لهيئة الإذاعة البريطانية في العراق وإيران وكوريا الشمالية، وذلك عن دار بلومزبري اللندنية.
لعل أهم ما في هذا الكتاب أن مؤلفه، بدلاً من أن يعرب عن رأيه في مواجهة حدث ما في الربيع العربي، يبادر إلى إجراء حوارات مع باحثين أكاديميين متصارعين، ويدعُ القارئ يحكم، وهو يتساءل إلى أي جانب وقف المؤلف في نهاية المطاف؟
ويلفت داناهار نظرنا إلى أنه كما دخل جورج بوش العراق بلا خطة، فإن باراك أوباما ابتعد عن سوريا أيضاً بلا خطة، وهو يرى أنه لو فهم الغرب الموقف في سوريا وتحرك بسرعة، لما قدر له أن يجد نفسه في موقف المتفرج، الذي ينتظر وصول القتال على الساحة السورية إلى مرحلة الجمود.. ويؤكد أن فشل الغرب هناك سيُضاف إلى قائمة طويلة من الأخطاء التاريخية المروعة، ويقول «إن عدم التحرك له عواقبه أيضاً».
ويظل أفضل ما في هذا الكتاب أنه محاولة معمقة للفهم، وهي محاولة جديرة حقاً بالتوقف حيالها بالتأمل.