يقولون عن الناس، في سياق وصفهم: سيماهم في وجوههم.. تنطبق هذه المقولة على الأمكنة أيضاً، إذ ثمة ما يميّز مكاناً عن الآخر، ويمنحه صورته الخاصة. وهناك مدن، بمجرد نطق اسمها، ترتسم في مخيلة المستمع ملامحها الفريدة، هكذا هي مدينة أصيلة الهادئة والساحرة المنبسطة على الساحل الشمالي للمغرب، التي ارتدت منذ 35 عاماً ثوبها الثقافي والفني، ولا تزال ترفل بفساتين جديدة، تناسب برنامج موسمها الثقافي المزهر كل عام.
والثقافة في هذه المدينة، باتت ملازمة لكل تفاصيلها، حيث الجدران المزدانة بلمسات فنانين من مختلف أصقاع الدنيا، والحدائق التي أطلقوا عليها أسماء المبدعين الكبار من أمثال محمد عابد الجابري وبلند الحيدري وآخرين، بينما حملت الشوارع و"الزنقات" لوحات دونت عليها شخصيات حفرت عميقاً في تاريخنا العربي شعراً وفكراً وعلوماً، من ابن خلدون إلى المتنبي إلى ابن سينا وغيرهم.
كل شيء في هذه المدينة، يترك في نفوس زائريها، ذكريات لا تنسى: كورنيشها البحري الذي يمتلئ بأهل المدينة حتى ساعات الفجر الأولى، ومحيط القلعة البرتغالية التاريخية، وزحمة الناس والباعة والأضواء والعصافير التي لا تنام، والحمامات التقليدية، والمطاعم ذات المذاقات المختلفة.
إلى أصيلة، كانت الأغنيات المغربية باللهجات المحلية المتعددة ترافقنا عبر المذياع.. وتخفف من طول المسافة، وكانت لنا أكثر من محطة في استراحات على جانبي الطريق، أو على جسور فوق أنهار أزلية، وفي العودة إلى مطار محمد الخامس، رافقني الإحساس نفسه، لوجود الروائية الفلسطينية سحر خليفة وأصدقاء آخرين، في السيارة ذاتها، حيث الأحاديث المتنوعة في السياسة والأدب والطبيعة والغناء، وعلى الطريق، كان لا بد من حمل بعض الأشياء التي تحمل رائحة البلد وروحه.