أما وقد قررت تشكيل محكمتي الخاصة، فسأقوم باستقصاء أسباب أحزاني الواحد تلو الآخر، ولن أكون تعسّفياً.. ستكون المحاكمة مهنية بامتياز، وأعد نفسي بأن الحزن الذي يستحق، سيبقى في القلب مني، أما ما تجرأ على تعكير صفو حياتي، والأمن الإنساني العام، فسأطرده من مملكتي بإصرار.
سأعيد ترميم مملكتي، وأزرع فيها شتول الورد الجوري، وأشجار الياسمين والفل والغاردينيا، وسأسرق من البرية نرجساً، أنزعه من أمه الأرض، وأزرعه في ترابها الفائض بخصوبة الدهر.
سأستعيد شقاوتي التي تدربت عليها كثيراً فوق القمم، وعند السفوح والأودية، وجعلتني أقف متماسكاً في مواجهة أعاصير المدن، حيث كان عليّ أن أنثر ما في ريف روحي على الأرصفة الخرساء والأسمنت المتعالي، لأخفف قليلاً من وطأة الغياب.
أحجاري لما تزل هناك، وهي في انتظاري، فثمة متسع للعب والفرح بين حقول القمح، ومطاردة العصافير، وقطف الزهور من بين أفياء الصخور والزيتون وظلال السرو والبرتقال، في لحظة الندى، وجمع الليلك وبخور مريم والأقحوان، إلى الحبيبات المجهولات في حواري القرية، وإطلاق الضحكات على خيباتي الصغيرة التي ستتردد أصداؤها في أنحاء ذلك الوادي، جارنا الأبدي.
مملكة أدثرها ببساط من العشب الأخضر، تدخل إليها الطيور المغرّدة من جديد آمنة مطمئنة، بعيداً عن البوم والغربان والكواسر، وأقيم في أرجائها حفلاً على أضواء القمر والنجوم، لتصدح الموسيقى في فضاءاتها على مدى الوقت.
حفلٌ ينتصر لحزن نبيل على الأحزان المشؤومة، سيتعانق نجماه: برد الشتاء، وعصارة نقية شهية من حقول الكرمة، التي كانت تلسعها الشمس منذ صفرة الشروق، وحتى حمرة الغروب.