في سنواتي الأولى، كنت أحسب الشاي من حصاد حقلنا، أو أعواداً لوّنتها أمي بالأسود، وأضافت إليها نكهة لذيذة لأعشابٍ جمعتها من البرّية.

أذكر الآن رائحة بخاره المنبعث، متزامنة مع استيقاظي المبكر للذهاب إلى المدرسة.. والشاي مع الخبز المحمّص، أو الكعك، وإلى جانبه اللبنة البلدية والزعتر والزيتون، كان نجم الفطور الصباحي.

ما مزجته يوماً بالحليب أو أي مكونات أخرى، إذ كنت أحرص على صون تلك النكهة الخاصة، التي لم تعد متوافرة في محطات الانتقال التالية.

أطيبه ما ينضج على بخار منبعث من إبريق آخر، ويسمونه في القرى «شاي على طابقين».

جلسات شاي الضحى،على مصاطب القرى، أو «العصرونية» على الشرفات في المدن القديمة والحديثة، هي الأثيرة لدى شعوب متعددة، وهي تمتد من أكثر العائلات أرستقراطية في أحياء لندن وغيرها، إلى البسطاء في بلاد الشام والصين والهند وشمال إفريقيا.

لم أعد أرى تلك الأعواد السود، التي ظلت رفيقة البيوت العتيقة، بينما ملأت أكياس الشاي الناعم معظم الأمكنة، تناغماً مع الزمن المتسارع.

أحببت مرة أن أشكر من ابتكره، ولم أكن أعلم عنه شيئاً، فقرأت نقلاً عن أحد المؤرخين، أن أحد أباطرة الصين القدماء، هو من اكتشف هذا الشراب المدهش ذات زمن غابر.

 كان يغلي إبريقاً من الماء بفوهة مفتوحة تحت إحدى الأشجار، وإذا ببعض الأوراق تسقط في الإبريق، وتفوح منه رائحة طيبة، ويتغير لون الماء، وما إن تذوق الإمبراطور قليلاً من هذا السائل حتى استطاب مذاقه، ومنذ ذلك الحين انتشرت عادة شرب الشاي في الصين، ومنها انتقلت إلى أمزجة الشعوب في بقاع الأرض كافة.

أما أنا، فقد أصبحت مدمناً على الشاي..

بدأت قصتي معه، حين فطمتني أمي عن حليبها الطاهر.