عندما كنا نرى شخصاً في الشارع يتحدث مع نفسه، كنا نتصوره مجنوناً، فالمجانين وحدهم من يُكلمون أنفسهم، والآن أصبح التحدث مع النفس ظاهرة طبيعية لأن هذا الشخص بكل بساطة لا يتحدث مع نفسه بل مع الآخر عبر هاتفه المتحرك عن طريق سماعته الصغير التي لا تُرى بسهولة واللاصقة بطرف قميصه. يتطور حديث النفس هذا أحياناً خصام وشجار بصوت عال، مصحوباً بحركات الأيادي المتشنجة، مما تحوّله إلى ظاهرة صوتية في الشارع.

أصبحنا نتقبّل هذا السلوك ونعتبره طبيعياً. قال لي أحد الأصدقاء هذا أحد مساوئ الهاتف المتحرك. كلنا يتحدث عن مساوئه ولكننا لا نستطيع الخروج بدونه من البيت، بل نتلمس وجوده في جيوبنا مرات عديدة لأننا نشعر في حالة نسيانه بأننا منقطعون عن العالم، بل هناك شركات أوروبية وأميركية تعاقب العاملين فيها إذا لم يردوا على مكالماتها خارج الدوام بحجة أن العمل بحاجة إليهم.

لا أدري كيف خطر ببالي أن أطلب من منظم برامج جهاز "الايفون" أن يُدرج لي جميع البرامج. وما أن وقع في أيدي أولادي حتى صرخوا: شكراً لك: كل الألعاب موجودة في هاتفك. رفضت استخدامهم لهاتفي في أول الأمر لكنني رضخت لهم، بل أصبحت أسلمهم إياه حال وصولي إلى البيت طواعية بحيث لا أستطيع أحياناً الرّد على مكالماتي لأنهم في منتصف اللعبة.

لديّ صديق يضع في هاتفه المتحرك محاضرات فلسفية جامعية ويستمع إليها، وهو في سيارته أو في المقهى.

صحيح أن تجلي وجودنا يظهر في الانخراط الكلي في لجّة التكنولوجيا والتقنيات الحديثة الراهنة، لكننا كما يبدو نصنع عزلتنا بأنفسنا يوماً بعد آخر، دون أن ندري بأن وسيلة الاتصال المذهلة هذه تصنع الحواجز بيننا.