يمكن للمشهد الدرامي أن يعوض افتقاد الواقع عبر الصورة المبهرة بأحوالها الاجتماعية، والتي تصبح بدورها حالة عائلية هي نسيج عالم مأمول، مرغوب، مفتقد، مثل تلك المشاهد التي تصدرها الدراما التركية للمشاهد العربي الذي يفضلها على مثيلاتها من الدبلجات، وخاصة التي تتخذ من اللهجة السورية مدخلاً عذباً لصداقة وطيدة مع المشاهدين، وخاصة الجنس اللطيف، لأنهن يشكلن السواد الأعظم لمتابعي دراما القرى والأرياف في حقول الأناضول الرحبة.
تلك الدراما التي نازعت مطولات المكسيك وسلبتها عرش الأفضلية التي تربعت عليه طوال عقد التسعينات، لكنها انسحبت اليوم تاركة الساحة لدراما مقبولة الشكل، ولولا اختلاف حركة تطابق الشفاه مع ما يسمعه المشاهد من كلمات، لوقر في ذهنه أنه يتابع مسلسلاً سورياً بامتياز، وخاصة تشابه الأزياء والعادات والبيوت، فضلاً عن ملامح الأبطال الذين لا يختلفون كثيراً عن أبطال «باب الحارة».
اليوم يطعّم المنتجون العرب دراماهم بوجوه من الدراما التركية، علهم يستعيدون المشاهد الذين سئم بؤس قصصهم الواقعية لشدة نبالتها، وهجرها نحو دراما تركية ليست أفضل حالاً قصصياً، لكنها خارج المقارنة في ما يتعلق بالمشهد البصري، إذ يكفي بعض الثياب المزركشة وبعض الطعام على طبق القش ومثله على صينية الشاي، ليكتمل المشهد الذي يطيح بأفئدة الجدات وأحفادهن.
السر الأكبر في انصراف المشاهد نحو دراما مجاورة، يكمن في الفهم المغلق لصنّاع الدراما لمجتمعهم، لذلك تراهم يختلقون قصصاً تمس شريحة بسيطة من المجتمع، وتراهم يختارون أبطالاً هم أبعد ما يكونون عن قضايا تمس عائلاتهم، فتحدث القطيعة التي يمكن وصفها بقطيعة ضائعة، فهم يدبلجون الدراما باقتدار ولكنهم لا يجيدون صناعتها، والدليل في عدم دبلجتها بلغات أخرى، أقلها باللغة التركية، حيث العين بالعين والسن بالسن والمهند بالمهند.. تعرفون مهند بالتأكيد!