دائماً ما تحملنا ذواتنا إلى مطارح قصيّة، كأننا في هذا الترحال، نبتغي شيئاً ما، لا ندركه في عين اللحظة، بل نتمناه ولو كان غير مرئيّ أو ملموس. هكذا أخذتنا خطواتنا ذات يوم في أواخر الربيع، إلى إيرلندا في القارة القديمة.
أعمدة مرتفعة، وحجارة ضخمة بأشكال هندسية متعددة، تتراصف بانتظام صارم على ضفاف الأطلسي، وليس بعيداً عن المحيط المتجمد الشمالي.
قال لي الزميل الإيرلندي: إنها كراسي الأمنيات، حاول أن تجلس على أحدها وتتمنى شيئاً، ثم ألق ثلاثاً من الحصى في المياه، سيتحقق لك ما ترغبه في غدك الآتي!
رمقته ملياً بنظرة مستغربة، فألحّ عليّ ثانية. قلت في نفسي: لأدخل في تجربة الهذيان والخرافة، لعل وعسى.. ثم تسلقت واحدة من تلك الصخور الدهرية، التي شكلتها أمواج البحر والأنواء بشكل غرائبي فريد، ونظرت صوب مياه المحيط، التي أدخلتها برودة المكان في سبات، صارت معه أقرب إلى جليد يتحرك متثاقلاً مثل رجل عجوز.
وأنا أتأمل في أدراج الموج المتناسلة من بعضها، والتي راحت ترسل رذاذها البارد على وجهي وثيابي، أحسست للحظة بأن الأمنية، التي كنت قد وضعتها في مخيلتي، قد أصابها البلل.
رميت بالحصى إلى جوف الماء، وللحظة شعرت كما لو أن مسّاً أصابني، ثم غادرت المكان مسرعاً، والتحقت بالزملاء لمتابعة فصول الرحلة.
بعد سنوات ثلاث، سألني أحدهم: أذكر أنك تمنيت شيئاً، يوم كنا معاً في شمال إيرلندا، ماذا حدث بعدها؟
فقط.. أحلام كثيرة راودتني في ليالي الباردة، أما كراسي الأمنيات فليست سوى أضغاث أوهام من زمن خيالي مضى، راح يتسلى بها رجل عملاق، كان يسير على الماء بين الجزر، ونسي حذاءه الحجري، الذي لا يزال شاهداً على أسطورته، محروساً بسياج من المعدن عند حافة الشاطئ الإيرلندي.