هل كان يخطر في بال أحد أن مدينة حلب، عاصمة المذاق الطيب، تجوع؟! وأسواقها تفتقر للبضائع، وأفرانها بلا طحين، وموائدها بلا خبز؟! وهل كان يخطر لأحد أن الحرب تستهدف أفواه الصغار قبل بيوتهم، ومدارسهم، وتستهدف ذُل الإنسان، عبر حجب الطعام عن أطفاله، وتركيع الكرماء، وإهانة الشرفاء، وهدر مقامات الناس!

حلب التي تنخفض فيها درجة الحرارة ليلاً إلى ما تحت الصفر، بلا دفء، وبلا حطب وبلا مازوت، وبلا كهرباء، أو اتصالات، مدينة باردة مظلمة تعيش خارج العالم، حيث عاد الناس إلى عصور ماضية، وهم يجترحون المعجزات للبقاء على قيد الحياة، بعضهم ارتدى كل ثيابه الثقيلة حتى يرد البرد عن أوصاله، وبعضهم تدثر بما لم تحرقه القذائف من أغطية وستائر، ويكاد الصغار لا يستطيعون الحراك، بسبب ما يرتدونه من أسمال.

قصص مرعبة بخوائها الأخلاقي وثقلها الإنساني على النفس، لكن للقصة التالية ما يبعث الأسى في الروح، وهي ليست مقطعاً من رواية كلاسيكية، إنها حقيقة تفوق الخيال..

قال لي بصوت حاول أن يجعله متفائلاً:

نحن بخير، لولا عدم توفر الخبز منذ ثلاثة أيام، والماء مقطوع منذ أمس، ولا كهرباء منذ يومين، غير أننا وجدنا سبيلاً للتدفئة..

قلت: كيف؟

قال: نتدفأ على الجمر.

قلت: من أين جئتم بالحطب؟

قال مرحاً: لقد كسرنا أحد كراسي المائدة وأشعلناه حتى تحول إلى جمر، ثم وضعناه في صفيحة (تنكة) وتحلقنا حولها في الصالة.

قلت: كم عدد كراسي المائدة؟

قال: ستة.

لقد فاته أن يقول لي خمسة، لأن الكرسي الأول التهمته النار.