أمضيت العقود الأربعة الماضية في اهتمام حقيقي بالكتاب، ليس فقط لأنني قدمت ثمانين كتاباً للمكتبة العربية، وأتطلع إلى أن يصل هذا الرقم إلى مئة كتاب، قبل أن أرحل عن دنيا الناس الفانين، وإنما لأنني أعتقد أن الكتاب أداة فعالة ولا غنى عنها في تنمية الشعوب وتطورها، وليس من قبيل المصادفة أن الدول الأكثر تقدماً هي الأكثر إنتاجاً للكتاب، والأكبر تفاعلاً معه، واستفادة منه.
لكن هل نستطيع حقاً الحديث عن «صناعة» كتاب في العالم العربي؟
هذا السؤال يستمد وجاهته من أن عملية إنتاج الكتاب في العالم العربي التي تسفر الآن عن تقديم خمسمائة نسخة فقط من كل كتاب جديد، هي أقرب إلى نشاط الورش الكبيرة التي انتشرت في أرجاء أوروبا قبيل انطلاق الثورة الصناعية.
يقول الناشرون، في معرض تبرير هذا الرقم شديد التواضع، إنهم لا يستطيعون المغامرة برأس المال في طبع عدد كبير من النسخ، لتحتل مكانها في المخازن، ما يكبدهم كلفة «أرضية» باهظة وتوزع ببطء على امتداد سنوات، وقد لا توزع أبداً، في نهاية المطاف، ومن هنا فإنهم يكتفون بإنتاج عدد محدود من النسخ، يلبي الطلب الفعلي من واقع فعاليات سوق الكتاب العربي.
هذا هو الملمح الأساسي من صورة بالغة القتامة لواقع الكتاب العربي الذي لا يتراجع من حيث مستوى توزيعه فحسب، وإنما في المقام الأول من حيث ما يقدمه من موضوعات، ويكفي أن نلقي نظرة على تواضع مستوى الكتب التي نشرت، حتى الآن، عن الربيع العربي، لكي ندرك التردي الراهن لمحتويات الكتاب العربي.
مع هذا كله، فإنني متفائل بمستقبل الكتاب العربي، لأن الدول العربية لا يمكن إلا أن تستثمر بقوة في مجال الأبحاث والتطوير، إذا أرادت أن تواجه تحديات الغد، وهذا بدوره لابد أن ينعكس إيجاباً على الكتاب العربي.