كنا ثلة من الصبية، عبرنا البرية، ببعض العصي المنحوتة من أشجار هرمة، وشموع سرقناها من خزائن الأهل، لنؤنس وحشة الكهوف، ونكشف عن خفاياها.
ونحن في خضم الاكتشاف، هطل مطر غزير، سرعان ما حوّلته الكتل الهوائية الباردة، إلى زخات من حبات البرد، الواحدة منها بحجم كلّة زجاجية.
و"الكلّة" لعبة أثيرة من تسالي طفولتنا، فلم يكن "الكمبيوتر و ألعاب "الفيديو"، و"الأتاري" وغيرها، قد اخترعتها مخيلة البشر.
تورّمت رؤوسنا بفعل تساقط الكرات الثلجية الكبيرة، ثم لجأنا إلى أقرب مغارة، كانت فتحتها ضيقة، لكننا استطعنا الولوج إلى داخلها. في ذلك العمر، لم يكن الخوف وارداً في مفكرتنا، كنا أشبه بمجموعة من المغامرين السائرين على غير هدى.
بعد مرور وقت قصير، صار المدى المظلم أمامنا يتسع أكثر، لكن ملامح المكان، كانت تضاء بشموع حملناها بأطراف أصابعنا، لنكتشف أن هذه المغارة ذات الفتحة الصغيرة، التي عبرت منها أجسادنا الضئيلة، صارت تتسع كلما أكملنا السير في داخلها، لتتوالى أمام عيوننا الكهوف المتناسلة من بعضها بعضاً، كما لو أنها غرف من قصر في إحدى الممالك القديمة.
باتت الانفعالات الداخلية للنفس، ترتسم على نظرات كل منا. لم يكن الأمر خوفاً، بمقدار ما كان الرهبة بحد ذاتها، رهبة خفف من وطأتها إغراء جذبنا إلى اكتشاف المكان.
مضى وقت قليل، بدأنا بعده نتحسس رؤوسنا، كما لو أن دواراً مؤلماً قد أصابها، وراح كل منا يتساءل عن أسباب ذلك.. تذكرتُ أحد الدروس، كيف شرح لنا المعلم أن النار تحرق الأوكسجين سبيلنا إلى حياتنا، وأن إشعال الفحم في غرفة مقفلة، يؤدي إلى تنشق ثاني أوكسيد الكربون ، ثم الاختناق والوفاة.. وقلت لهم ببراءة: إنه الاختناق الذي بدأ يخطف أنفاسنا، فالشموع التي حملناها لتضيء طريقنا في ظلمة المكان، كانت تبدد الأوكسجين. وقبل أن تقتلنا الشموع أسرعنا الخطى، وتمكنا من ملاقاة نور الكون من جديد، بعدما اختبرنا فداحة المغامرة، والثمن الباهظ لكشف الأسرار.