حتى سنوات خلت دأبت بشكل شبه يومي على بداية صباحي باحتساء القهوة التركية في مقهى"جيرارد" بسوق المجرودي بمنطقة الجميرا ، متصفحاً الجرائد، ومن ثم أكتب قليلاً قبل أن تدب الحركة في المقهى الذي يرتاده عادة متريضو الصباح، وهم غالباً من سكان الجوار، وأحياناً كان الأطفال يصطحبون حيواناتهم الأليفة ويصعدون الدرج إلى الطابق الأول حيث عيادة بيطرية تفتح أبوابها باكراً.
كانت مشاهدة الصغار يحملون حيواناتهم الأليفة مبعث سرور، كما كان مشهد الذين يطالعون الكتب بالمقهى غاية في العذوبة حيث تقع مكتبة المجرودي الشهيرة في السوق ذاتها ، والتي تتوفر فيها معظم الكتب الجديدة ، تلك المكتبة التي احتضنت أولى ارهاصات مهرجان طيران الإمارات للآداب ، قبل انطلاقه بسرعة الصاروخ في سماء المدينة.
كانت عادة الكتابة الصباحية طقساً مألوفاً في المقاهي ، لكن سرعة تطور التقنيات الحديثة دفعت رواد المقهى إلى مطالعة الكتب عبر الأجهزة اللوحية الحديثة ، مع أني أنتمي إلى فريق محافظ ظل وفياً للورق ، رغم أن معظم مقاهي دبي توفر خدمة الإنترنت المجانية لكن البعض يفضل الصحف بشكلها المألوف ، وإذا كنت أعترف أني منهم ، فإن علي الإقرار اني انتقلت للكتابة الالكترونية منذ سنوات وكانت الضرورة المهنية دافعاً لمواكبة زمن المتغيرات السريعة.
في صباحات سوق المجرودي ومقهاها الشهير "جيرارد" مرَّ عشرات الزملاء من أدباء وصحفيين ، زملاء تفرقت طرق معيشتهم لكن ذكراهم ماثلة في الوجدان فقد كانوا يرتادون المقهى ذات يوم ، بعضهم استعذب المكان ، وبعضهم جربه ذات صباح ، وآخرون مثلي يجدون فيه فسحة للهدوء لا يقطعه سوى تساقط الورد الأرجواني على الطاولة ، حيث تعرش نبتة الجهنمية في فضاء المكان فتزيده فتنة وبساطة.
في ذلك المكان الأثير أجريت حواراً رائعاً مع الشاعر الراحل عبد الوهاب البياتي الذي أحبه لأنه ذكره بأمكنة اسبانية كان يتردد عليها خلال حياته الدبلوماسية هناك، وذلك المكان الذي أراد الرسام جبر علوان أن ينصب مرسمه فيه ، وهو المكان الأثير لدى الصديق الناشر رياض نجيب الريس الذي يلح على زيارته كلما جاء إلى دبي حيث أطلق عليه لقب "مقهى كُتاب الصباح".