في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان هناك توافق آراء شبه إجماعي بين المحامين الأكاديميين على أن غياب سيادة القانون كان تحديداً «مشكلة نسبة كبيرة من دول العالم الثالث»، أي أن هذه المشكلة لم تعد قائمة في الاقتصاديات المتقدمة في الشمال العالمي. بيد أنه بعد أكثر من عقد من الزمن بقليل، انتُخب رئيساً للولايات المتحدة شخصٌ حرض لاحقاً على التمرد في مبنى «الكابيتول» الأمريكي، وتآمر لإلغاء انتخابات خسرها، وهرب بوثائق سرية عندما غادر البيت الأبيض أخيراً، ثم دعا إلى «إنهاء» الدستور الأمريكي.
كيف أصبحت «مشكلة العالم الثالث» الجوهرية «مشكلة العالم الأول» أيضاً؟ الواقع هو أن الأمر كان كذلك دائماً. إذ لطالما كانت الاختلافات المزعومة بين طبيعة الشمال العالمي والجنوب العالمي نتاجاً للانتصار الاستعماري، بدلاً من أن تعكس تصنيفاً علمياً دقيقاً.
وكانت هذه هي الفكرة الأساسية لـ«القانون والتنمية»، وهو مجال دراسي يعاني من المشاكل، وبرز (بروزاً متواضعاً) في سبعينيات القرن العشرين. وفي ذروة الحرب الباردة، شجعت منظمات مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ومؤسسة «فورد» أساتذة القانون والباحثين القانونيين على الاهتمام بصورة أكبر بنشر قانون يقوم على النمط الغربي. ولكن مجموعة صغيرة من علماء القانون والتنمية، أشارت إلى أن القانون ليس دائماً «قوياً» أو «جيداً»، حتى في «وطننا» الغرب.
وتجاهلت المنظمات الغربية هذه الحقيقة المزعجة؛ وعلى أي حال، فقد شرعت في فرض رؤيتها لسيادة القانون على بقية العالم. وفي حين لم يكن أساتذة القانون والتنمية على استعداد لتقبل هذه الرؤية، كان الاقتصاديون المنغمسون في أجندة إجماع واشنطن (الانضباط المالي، وإلغاء القيود، وتحرير التجارة وسوق رأس المال، والخصخصة، وما إلى ذلك) سعداء للغاية للقيام بذلك نيابة عنهم.
ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى السنوات، بدأت نظريات المشاركة الاقتصادية - بما في ذلك «القانون والاقتصاد»، والاقتصاد المؤسسي الجديد، ونظرية الأصل القانوني - تصل إلى الجنوب العالمي. وكانت رسالتها المتسقة هي أنه يجب على البلدان ذات الدخل المنخفض تحديث أنظمتها القانونية، واستبدال جميع التقاليد والأعراف الاجتماعية القائمة على التفكير «السحري» و«الصوفي» (كما قال «ماكس ويبر» ذات مرة) بـ«عقلانية» قانونية باردة يمكن حسابها.
وأطلق الغرب، تحت رعاية برامج مثل لجنة الأمم المتحدة للتمكين القانوني للفقراء، ومؤشرات الحوكمة العالمية للبنك الدولي، مبادرات متعددة ليس فقط «لتصدير» سلعة ثمينة - الذي يعد نظاماً قانونياً قائماً على النمط الغربي - ولكن أيضاً لتحديد مدى استهلاكها وقياسه.
ولكن، لا يمكن لأحد حالياً أن ينكر أن الفصل العنصري المعرفي السائد - تهميش الأشخاص الذين يدرسون «المشاكل» المتعلقة بإرساء سيادة القانون والحفاظ عليها - داخل كليات الحقوق، قد أضر بالدول الغربية بقدر ما فعل ببقية العالم. ويتضح هذا حتى في تقارير مشروع العدالة العالمية الخاصة، التي أظهرت انخفاضاً ملحوظاً في ترتيب سيادة القانون في الولايات المتحدة على مدى خمس سنوات متتالية من 2017 إلى 2021.
وما يبعث على السرور هو أنه بعد أن شهدنا الآن الطبيعة العالمية للتحديات المرتبطة بالحفاظ على سيادة القانون، أصبحت مجالات المنح الدراسية القانونية المهمة التي طالما أهملت، تحظى الآن بالاهتمام الذي تستحقه. وكلما تمكنا من تقديم تحليل علمي دقيق لدراسة سيادة القانون، أمكننا ذلك من فهمها وحمايتها بصورة أفضل، في «العالم الثالث» وفي «العالم الأول».
* أستاذة مشاركة في الدراسات القانونية التجريبية بجامعة «كامبريدج»