عندما تصدر إدارة الرئيس جو بايدن بيانات وتقديرات غير واقعية بشأن متطلبات كل من الأمن الاقتصادي أو أمن الطاقة أو الأمن القومي الأمريكي، فإنها بذلك لا تخدم أياً من هذه المجالات.

ورغم اعتياد كل إدارة من الإدارات الأمريكية المبالغة إلى حد ما، أضحت المزاعم المضللة تمثل إشكالية أكبر في البيئة الحالية المتغيرة لصنع السياسات.

ولا أقصد هنا حالات إساءة التقدير المخجلة، كاعتقاد الإدارة بأن التضخم المتصاعد كان «عابراً»، وهو الاعتقاد الذي كلفنا كثيراً.

فالتضليل السياسي متفاوت الدرجات والصور، بداية من دفاع إدارة بايدن المستميت عن البيانات السخيفة (كالبيان الذي اعتبر الانسحاب من أفغانستان نجاحاً)، وتحويل اللوم إلى الآخرين (مثل عزو الارتفاع الشديد في تكلفة الغاز إلى «رفع بوتين للأسعار»)، حتى تعامل سلفه دونالد ترامب بانتقائية مع البيانات الخاصة بجائحة فيروس كورونا، واعتماد الرئيس الأسبق بل كلينتون على التلاعب بالمعاني وإبهامها.

تجسدت أحدث أمثلة التضليل في تأكيد بايدن ووزير الأمن الداخلي أليخاندرو مايوركاس مراراً وتكراراً على أن حدود أمريكا الجنوبية آمنة، رغم معرفتهما التامة والمؤكدة بأنها ليست كذلك، إذ يكشف إصدار الإدارة المؤجل لبياناتها أواخر الشهر الماضي عن رقم من المواجهات لدوريات الحدود يحطم كل الأرقام القياسية بلغ 2.4 مليون مواجهة خلال العام المالي، إضافة إلى ما يقدر بنصف مليون مهاجر غير شرعي تمكنوا من الإفلات من المواجهة.

إن تبديد المصداقية مقابل راحة مؤقتة من الألم السياسي لهو ثمن غالٍ. فقد تضررت مصداقية الرئيسين ريتشارد نيكسون وكلينتون بصورة بالغة لكذبهما بشأن فضيحتيهما، حتى صارت ذكرى كل منهما الآن مرتبطة فعلياً بفضيحته أكثر من ارتباطها بما حققه من إنجازات خلال توليه منصبه.

وهذا عار، لأن كلا الرئيسين حققا إنجازات بارزة، حيث تمكن نيكسون، بمساعدة هنري كيسنجر، من انتهاج انفتاح دبلوماسي مع الصين باقتدار، ونجح في دق إسفين في العلاقات الصينية السوفييتية. كما تعاون كلينتون ببراعة مع الجمهوريين من أعضاء الكونجرس، بعد هزيمة ساحقة (للديمقراطيين) في انتخابات التجديد النصفي، لضبط الموازنة وإصلاح نظام الرعاية الاجتماعية.

عادت كلتا الواقعتين إلى الأذهان مجدداً بعد دخول الرئيس الصيني شي جين بينج ونظيره الروسي فلاديمير بوتين في شراكة «لا حدود لها»، والآن يتوقع مستطلعو الآراء أن يستعيد الجمهوريون السيطرة على مجلس النواب، وربما مجلس الشيوخ، في انتخابات التجديد النصفي التي تجرى هذا الشهر.

للأسف طبعت إدارة بايدن في المرحلة الحالية ممارسة انتقائية البيانات. وبناءً عليه، يزعم بايدن «أننا قد قلصنا عجز الموازنة»، رغم تريليونات الدولارات التي تضيفها سياساته إلى الدين؛ كما أنه لا يتورع عن أن ينسب السبب في التضخم إلى بوتين، رغم أن معدل التضخم السنوي كان بالفعل 7 % قبل اندلاع الحرب في أوكرانيا.

كما أطلقت إدارة بايدن مزاعم لا تحصى بشأن سياساتها المناخية. فبصرف النظر عن الأحداث التي ربما وقعت خلال التحول الطويل إلى الطاقة النظيفة، يقول بايدن إن سياساته ستوجد ملايين الوظائف الجيدة، رغم تجاهله دون اكتراث لحقيقة ما يجري من القضاء على الكثير من الوظائف ذات الرواتب المجزية في قطاع الطاقة التقليدية. ويكفي أن تسأل عن ذلك العاملين التابعين لمشروعات خطوط الأنابيب التي ألغاها فور توليه منصبه.

فضلاً عن ذلك، أفضت فكرة إمكانية التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري بكل صوره إلى مشكلات من كل الأنواع، بما فيها اختلال توازن الشبكات، وانقطاع التيار الكهربائي بصورة متناوبة، ونقص متنوع في مصادر الطاقة يشبه ذلك الذي أجبر ألمانيا على العودة إلى استيراد الفحم. يزعم بايدن أن سياساته لم تعرقل الإمداد، رغم إشادته السابقة بقراره الخاص بتجميد خطوط الأنابيب وعقود التنقيب.

هل هناك من يعرف أي شيء عن أسس الطاقة في إدارة بايدن؟ إن الانخفاض الطبيعي في إنتاجية الحقول والأطر الزمنية الطويلة من الاستكشاف حتى الإنتاج يتطلبان استثمارات ضخمة حتى نتحاشى مواسم شتاء كئيبة.

ومما زاد الأمور سوءاً، تأجيل بايدن إنشاء محطات تصدير جديدة للغاز الطبيعي المسال، كما فعل الرئيس باراك أوباما قبله، لرغبة قاعدة نشطاء الحزب الديمقراطي في بقاء الوقود الأحفوري الأمريكي دفيناً في الأرض، ليسهم بايدن بذلك في إهدار فرصة جيوسياسية أتاحتها الثورة الأمريكية في مجال تقنيات التكسير الهيدروليكي القادرة على مساعدة أوروبا في الاستغناء عن الطاقة الروسية.

نعم لقد تحول بايدن بشكل موفق عن موقفه المناهض للغاز الطبيعي المسال منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، لكن هذا لن يؤدي إلى زيادة العرض على الفور. كما أن اعتباره «تغير المناخ» أولوية «لكل الحكومة على اختلاف مستوياتها» يهدد بإلحاق أضرار جوهرية وفرعية بالاقتصاد والأمن القومي ووضع أمريكا الجيوسياسي.

كان بإمكان أي شخص تتوافر لديه معرفة أساسية بالحقائق أن يتوقع هذه الكارثة، التي تفاقمت بسبب حبس بوتين الطاقة عن أوروبا. لكن عدداً كبيراً جداً من المواطنين الآن مضللون بما يروج لهم من معلومات عن الطاقة والسياسات البيئية، لا سيما فيما يتعلق بنطاق إصلاح منظومة الطاقة وتكاليفها.

ذلك أن العامة لا يفقهون النقاط الفنية البحتة كتلك المتعلقة بأعداد الجيجاوات واحتياطيات الهيدروكربون. إضافة إلى ذلك، فإن التقديرات بشأن مدى ارتفاع درجة الحرارة في ظل زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي وفقاً لسيناريوهات أسوأ الحالات أقل نوعاً ما من المعلومات التي دفع العامة إلى تصديقها، رغم حقيقة المخاطر التي قد تنجم عن تغير المناخ.

تحتاج الولايات المتحدة إلى نهج جديد في صنع السياسات يراعي مجموع الفوائد والتكاليف. فليس منطقياً أن نفكر في الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة والأمن القومي كلاً على حدة. ويجب أن تراعي السياسات المصممة لتحقيق أيٍ من تلك الأهداف ــ من منظور الواقع لا التمني ــ التأثيرات التي تخلفها على الغايات الأخرى.

إن مهمة وزارة الدفاع الأمريكية المتمثلة في منع الحروب ــ وكذلك خوضها والانتصار فيها ــ أهم كثيراً من أن يعرضها قياصرة المناخ في البيت الأبيض للخطر أو تسييسها.

كما لا ينبغي لواضعي السياسات البيئية في الولايات المتحدة الضغط على البنك الدولي (الذي تتركز مهمته في مكافحة الفقر) لمنع تمويل المشروعات المتعلقة بالوقود الأحفوري، فقد يكون لذلك تأثير عكسي في نهاية الأمر على مواصلة أي سياسات بيئية رشيدة مثل ضريبة الكربون المحايدة من حيث الإيرادات، التي تعد عنصراً أساسياً لتحفيز عملية إزالة الكربون على المدى الطويل.

وليس هذا مجرد تخمين، فقد أظهر استطلاع تلو الآخر أنه عندما تحدث أية ارتباكات اقتصادية كبرى، تهبط المخاوف بشأن البيئة والمناخ إلى أدنى قائمة شواغل العامة.

سيتحتم على القادة المنتخبين اتخاذ خيارات صعبة للمستقبل القريب فيما يتعلق بميزانيات الدفاع، والبرامج الاجتماعية، والضرائب، واستراتيجيات مكافحة التضخم، وسياسات الطاقة والسياسات البيئية، فضلاً عن تدابير لمساعدة الأقل حظاً والتصدي للعدوان الخارجي. وعلى نطاق أوسع، يتوجب عليهم استعادة ثقة المواطنين في تفوق الديمقراطية الرأسمالية.

بعد نهاية الحرب الباردة، كانت مثل هذه الأجندة تبدو أسهل ــ إن لم تكن حتمية. لكن هذه العهود قد ولت، حيث يواجه واضعو سياسات اليوم خيارات أصعب وأكثر إلحاحاً. إن الوضع الحالي يتطلب المزيد من طرح الحقائق والمصارحة، والابتعاد عن الالتفاف والتفكير القائم على التمني.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، وكبير زملاء مؤسسة هوفر، وقد شغل منصب رئيس مجلس مستشاري الرئيس جورج بوش الأب للشؤون الاقتصادية بين عامي 1989 و1993.