تقول الرواية السائدة حالياً في الولايات المتحدة: إن الديمقراطية مهددة من طرف المتعصبين الحاملين لشعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، ومنكري الانتخابات، والجمهوريين، الذين يهددون بتجاهل النتائج غير المواتية (بالإضافة إلى تجنيد الموالين للإشراف على الانتخابات، ومراكز اقتراع الشرطة).
إن هذا السرد صحيح، ولكن فقط إلى حد معين، فهناك قصة أخرى أطول أمداً، تتحدث عن مجموعة مختلفة، وهي رواية تحكي عن تدهور حياة الأمريكيين، الذين ليس لديهم شهادات جامعية لأكثر من 50 عاماً في مجموعة من مناحي الحياة بما فيها الحياة المادية والصحية والاجتماعية.
على الرغم من أن ثلثي السكان البالغين في الولايات المتحدة لا يملكون شهادات جامعية تتطلب أربع سنوات من الدراسة، إلا أن نادراً ما يستجاب لاحتياجاتهم من الشركات. حتى قبل الوباء كان متوسط العمر المتوقع، وهو مقياس قوي للصحة الاجتماعية والفردية، يتراجع في صفوف الرجال ذوي المستويات التعليمية المتدنية منذ عام 2010، وفي صفوف نظرائهم من النساء منذ عام 1990 أو قبل ذلك، وتعاني جميع الفئات العمرية في صفوف الأمريكيين الأصغر سناً من ذوي المستويات التعليمية المتدنية أكثر مقارنة مع فئات الأمريكيين الأكبر سناً.
وفضلاً عن ذلك، على مدى عقود من الزمن، انخفضت مشاركة الرجال الأقل تعليماً في القوى العاملة، أما بالنسبة لنظرائهم من النساء فقد انخفضت منذ عام 2000، وتراجع متوسط الأجور الحقيقية (المعدلة حسب التضخم) في فئة الرجال غير الحاصلين على شهادة جامعية منذ عام 1970. وشهد الأمريكيون الأقل تعليماً انخفاضاً في معدلات الزواج، وارتفاعاً في معدلات الإنجاب خارج إطار الزواج، وتراجع معدلات الحضور في الكنائس، ولا يستفيد العديد من الرجال الأقل تعليماً من أي مؤسسة داعمة.
ويقول استطلاع حديث أجرته جريدة «نيويورك تايمز»، بالتعاون مع معهد «سيينا»، إن ثلثي الناخبين يعتقدون أن الحكومة «تعمل أساساً لصالح النخب القوية»، ولا يقتصر هذا الرأي على منكري الانتخابات أو الجمهوريين أو فئة الأمريكيين الأقل تعليماً؛ ولكن هذه الأخيرة هي التي عانت من السياسات، التي يسمح بها الإهمال السياسي، فعلى سبيل المثال، لم يخضع الحد الأدنى للأجور الفيدرالية للزيادة منذ عام 2009.
صحيح أن هناك استثناءات في بعض القضايا المجتمعية الصحية، إذ قدم قانون الرعاية الميسرة (Obamacare) «أوباما كير» التأمين الصحي لعشرات الملايين ممن كانوا غير مؤمن عليهم سابقاً، ولكن ضمان سن هذا القانون يعني تمويل قطاع الرعاية الصحية، ومن ثم عدم التحكم في التكاليف، فبالنسبة لمعظم الأمريكيين العاملين تدفع تكاليف التأمين الصحي، من خلال ضريبة ثابتة على الأجور، ما يقلل من أجور الأقل مهارة ويشجع الشركات على الاستعانة بمصادر خارجية، وإلغاء الوظائف.
نظراً لكون التأمين الصحي يمول من خلال سوق العمل فإن ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية يؤدي إلى توليد ضغوط إضافية على الأجور والوظائف الجيدة لمن هم أقل مهارة.
إن الأصوات في الكونغرس ليست فقط منحازة نحو ناخبين أثرياء؛ بل إن القضايا التي تهم غير النخبة - بما في ذلك الرعاية الصحية ذات الدافع الفردي، والخيار العام للتأمين الصحي، وزيادة الحد الأدنى للأجور- لا تدرج أبداً في جدول الأعمال التشريعي. إن جماعات الضغط أكثر نجاحاً من الناخبين في ما يتعلق بتحديد جداول الأعمال.
ومن الصعب للغاية (وإن لم يكن من المستحيل) أن تنتخب لعضوية الكونغرس دون دعم مالي كبير.
إن الديمقراطية الأمريكية تقوم على المساواة، ولا بد من جميع المؤسسات حفظ هذا الأساس وتعزيز مواصلة مشوار التنمية.
* حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2015، هو أستاذ فخري للاقتصاد والشؤون الدولية في كلية «برينستون» للشؤون العامة والدولية، وأستاذ الاقتصاد الرئاسي بجامعة جنوب كاليفورنيا.