في نهاية فيلم «نادي القتال» (Fight Club) للمخرج ديفيد فينشر، الذي عُـرِض في دور السينما عام 1999، يرسل الراوي الذي لم يُـذْكَر اسمه (الذي لعب دوره إدوارد نورتون) صديقه المقرب تايلر دوردن (براد بِـت) في مهمة، ثم يشاهد المباني المحيطة به تشتعل ناراً، ليشبع رغبته هو وصديقه في تدمير الحضارة الحديثة.
ولكن في نسخة أخرى آسيوية صدرت في وقت سابق من هذا العام، استُـبـدِلَت النهاية بتنويه مكتوب باللغة الإنجليزية يوضح أن «الشرطة سرعان ما تصورت الخطة بأسرها، وألقت القبض على كل المجرمين، ونجحت في منع القنبلة من الانفجار. وبعد المحاكمة، أُرسِـل تايلر إلى مصحّة للمجانين لتلقي العلاج النفسي، وأُخـرِج من المستشفى في عام 2012».
لنتأمل الآن في التطورات الأخيرة في الولايات المتحدة. في الثامن عشر من يونيو، أعلن الجمهوريون في ولاية تكساس أن الرئيس الأمريكي جو بايدن «لم يُـنـتَـخَب بشكل شرعي»، مرددين بذلك تصريحات مماثلة أطلقها جمهوريون آخرون في مختلف أنحاء أمريكا. ويرقى رفض الجمهوريين شرعية بايدن إلى مستوى رفض النظام الديمقراطي في أمريكا.
والواقع أن الحزب الجمهوري يدعو على نحو متزايد إلى تبني السلطة الغاشمة وتجاهل موافقة المحكومين.
تأمل في هذه الحقيقة جنباً إلى جنب مع إجهاد عامة الناس في أمريكا على نحو متزايد على خلفية الحرب التي تدور رحاها بين روسيا وأوكرانيا، فيتبيّن لك احتمال كئيب: ماذا لو فاز سلف بايدن، دونالد ترامب، في الانتخابات الرئاسية لعام 2024؟
وهنا على صعيد مواقف السياسيين، نجد أنه من المؤسف أن بعض اليساريين الغربيين، مثل المخرج السينمائي أوليفر ستون، رددوا لفترة طويلة ادعاءات ليست في صالح الشعوب.
على النقيض من ذلك، لم يكن الهجوم على مبنى الكابيتول الأمريكي في السادس من يناير 2021 «ميداناً أمريكياً» بكل تأكيد.
تشير أدلة متنامية إلى أن تلك الواقعة جرى تنظيمها إلى حد كبير في وقت مبكر، وأن ترامب، الرجل الأكثر قوة في أمريكا، كان على عِـلم بشكل أو آخر بما كان مرتباً لذلك اليوم. وعلى الرغم من ذلك، بعد التمرد مباشرة، وقبل أن تُـعرَف كل التفاصيل، أعرب بعض أصدقائي اليساريين عن شعورهم بالخسارة، أعربوا عن أسفهم قائلين: «الأشخاص غير المناسبين يستولون على مقاعد السلطة، كان من الواجب أن نفعل نحن ذلك!».
لسنوات، كان الذعر يتملك قادة كثر في عالمنا، كلما انفجر تمرد شعبي في مكان ما داخل مجال نفوذهم.
إنهم، كقاعدة عامة، يفسرون مثل هذه الأحداث على أنها مؤامرات - المصطلح المناسب لها هو «ثورات ملونة» ـ بتحريض من الغرب.
إن دول العالم ومعها المثقفين كافة، ومن بينهم أصحاب الاتجاه اليساري، عليهم ان يقفوا وقفة حق مع الدول التي تعاني الظلم والانتهاك، وان يدعموا الدول الفقيرة، وليس أن يناصروا ما ليس صحيحا، ذلك لأجل مصلحتهم. تتلخص الاستجابة التي نقترحها لهذه الحال في مخاطبة الشعور الإنساني المشترك. وبكل تاكيد يجب أن تتمثل استجابة اليسار في الحفاظ على التضامن مع كافة الشعوب، فقط لأجل العدالة والأمن والاستقرار.
* أستاذ الفلسفة في كلية الدراسات العليا الأوروبية، ويشغل منصب المدير الدولي لمعهد بيركبيك للعلوم الإنسانية في جامعة لندن.