نظراً لحالة عدم اليقين بشأن استعداد اليابان للمنافسة والمناورة على المستويين السياسي والاقتصادي بشأن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ 2، فإن القيادة الأمريكية الفاعلة مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى، وانضمام أمريكا السريع إلى الاتفاقية من شأنه أن يعمل على تعزيز التجارة الأمريكية مع اقتصادات منطقة آسيا والمحيط الهادئ المهمة ودعم جهودها في التنافس مع الصين، وينبغي لبايدن أن يجعل هذا أولوية ملحة.
بعد القرار الذي اتخذه ترامب بسحب الولايات المتحدة من الشراكة عبر المحيط الهادئ في يناير 2017، حمل رئيس وزراء اليابان آنذاك شينزو آبي لواء المبادرة في صياغة الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ، أو اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ 2، بين الأعضاء المتبقين في الاتفاقية، وجرى تأجيل بعض الفقرات التي مارست الولايات المتحدة الضغوط لفرضها خلال مفاوضات الشراكة عبر المحيط الهادئ الأصلية، ولكن من الممكن إعادة تقديمها إذا قررت أمريكا الانضمام إلى الاتفاقية. تعمل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ 2 على نحو طيب، لكنها تفتقد وجود أمريكا.
كانت انعزالية ترامب مؤلمة بشكل خاص لحلفاء أمريكا في أوروبا واليابان. عندما تخلت الولايات المتحدة عن الأرضية الأخلاقية العالية للتجارة الحرة والتعددية القائمة على القواعد، فإنها بذلك هددت أيضاً قيم التجارة الحرة والتعددية.
سارعت إدارة الرئيس جو بايدن إلى إلغاء العديد من سياسات ترامب الاقتصادية والبيئية وفي التعامل مع جائحة مرض فيروس كورونا 2019 (كوفيد 19)، بما في ذلك إعادة الولايات المتحدة إلى اتفاق باريس وإلغاء انسحاب أمريكا من منظمة الصحة العالمية، لكن بايدن كان بطيئاً للغاية في التراجع عن تدابير حماية التجارة التي اتخذها سلفه. بعد مرور ما يقرب من العام على ولاية بايدن، لا تزال بعض تعريفات ترامب سارية. ولا يوجد أي حديث عن انضمام أمريكا إلى الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ، التي خلفت اتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، وفي حين تتحدث إدارة بايدن عن إحياء منظمة التجارة العالمية، فإنها لم تحول خطابها إلى أفعال بعد.
الواقع أن تقاعس بايدن عن العمل محير. كان بايدن واضحاً بشأن أهداف سياسته في ما يتعلق بالصين، التي يعتبرها المنافس الأكبر لأمريكا. وفي ديسمبر، وجه بايدن الدعوة إلى أكثر من 100 قائد عالمي للمشاركة في قمة الديمقراطية الافتراضية لمناقشة التحديات المستجدة. على هذا الضوء، لماذا لا تسارع إدارته إلى الانضمام إلى الاتفاقية الشاملة والمتقدمة للشراكة عبر المحيط الهادئ؟
كانت سياسات «أمريكا أولاً» الانعزالية القائمة على تدابير الحماية، التي انتهجها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب سبباً في إلحاق أضرار جسيمة بأمريكا، والدور القيادي العالمي، الذي تضطلع به. لم ينجح رفع الرسوم الجمركية على الواردات إلى الولايات المتحدة ــ وخاصة من الصين ــ إلا في دفع بلدان أخرى إلى فرض تعريفات جمركية مماثلة على السلع الأمريكية، وعلى هذا فقد انتهى الأمر بسياسة ترامب التجارية إلى الإضرار بمصالح أغلب الأمريكيين، من المزارعين إلى المستهلكين من الطبقة المتوسطة.
في عهد ترامب، تخلت أمريكا أيضاً بقرار أحادي عن دورها العالمي، الذي كان يمكن الولايات المتحدة من إمالة عملية وضع القواعد الدولية، التي تحكم التجارة وإدارة أزمة المناخ لصالحها، فقد انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، الذي أبرم في عام 2015، ومنظمة الصحة العالمية، واتفاقية الشراكة التجارية عبر المحيط الهادئ، وشنت هجوماً راشحاً بالازدراء على منظمة التجارة العالمية برفض الموافقة على أي تعيينات في هيئة الاستئناف التابعة للمنظمة.
علاوة على ذلك، بينما كانت الولايات المتحدة تهدر السنوات الخمس الأخيرة بالابتعاد عن إطار التجارة والاستثمار الناشئ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حدث تطوران آخران على قدر كبير من الأهمية. فأولاً، وقعت الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، والدول العشر الأعضاء في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) على اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية. (انسحبت الهند من الاتفاقية في المرحلة الأخيرة من المفاوضات).
تتداول اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية، التي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يناير نحو 2.5 تريليون دولار بين أعضائها، أو نحو %13 من التجارة العالمية في السلع، وتمثل الدول الخمس عشرة الموقعة عليها نحو %30 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. إنها أول اتفاقية تجارة حرة بين اليابان والصين، ومن المتوقع أن تعمل على تعميق العلاقات التجارية الثنائية بينهما، ولكن من أجل استيعاب اقتصادات منظمة آسيان الناشئة، سيظل متوسط التعريفات بموجب اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية أعلى مما هو عليه في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ 2، وستكون تغطية الاستثمارات أضيق.
*وكيل وزارة المالية الأسبق في اليابان، والأستاذ في كلية الشؤون الدولية والعامة في جامعة كولومبيا، وكبير أساتذة المعهد الوطني للدراسات العليا السياسية في طوكيو.