إن إصلاح معاشات التقاعد مهمة، صحيح أنها لا تحظى بما تستحقه من تقدير، لكنها ضرورية. الواقع أن معاشات التقاعد تُـعَـد موضوعاً صعباً وعاطفياً يؤثر في كل مواطن، وينطوي تغيير طريقة حسابها أو متى يستطيع العامل أن يتقاعد على التفاوض على شبكة معقدة من القواعد، والعادات، والاستحقاقات التي لا تعبر عنها النماذج الأكاديمية الأنيقة.في البلدان حيث أنظمة المعاشات وطنية، تكون الركيزة الأساسية مدونة عادة في القانون وتديرها الدولة. وتأتي مصادر أخرى لدخل التقاعد من صناديق المعاشات المهنية والاستثمارات الفردية، والتي تعتمد على السوق لكنها تخضع لهيئات تنظيمية، مثل الهيئة الأوروبية للتأمين والمعاشات المهنية.
برغم أن الدولة لا توفر كل دخل معاشات التقاعد، فإن الحكومات لديها أسباب وجيهة للمشاركة في جهود الإصلاح. فلم تعد الكفاءة وحدها على المحك في توفير معاشات التقاعد، ومن الواضح أن قدرة سوق التأمين على حماية الناس في سن الشيخوخة محدودة.
يجري تمويل ركيزة المعاشات الحكومية عادة على أساس الدفع أولاً بأول والذي يعتمد على عَـقـد بين الأجيال. يدفع العاملون من السكان اشتراكات الضمان الاجتماعي عن طريق الضرائب المفروضة على الرواتب لهيئة المعاشات الحكومية، والتي تدفع بدورها هذه الأموال على الفور بشكل أو آخر للسكان المتقاعدين.
ولا يعتمد نظام الدفع أولاً بأول على الاحتياطيات المالية، بل على أساس تفاهم يقضي بأن يدفع أولئك الذين يعملون حالياً للمتقاعدين وأن يفعل الشباب والذين لم يولدوا بعد ذات الشيء لصالح أولئك الذين يعملون حالياً.
في بعض الأحيان، كان بعض الخبراء يروجون لتمويل برامج معاشات التقاعد من خلال كيانات خاصة على أنه خيار أفضل من نظام الدفع أولاً بأول. لكن هذا النوع من الإصلاح الجذري لم يصادف النجاح في البلدان التي طبقته في أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية.
اليوم، أصبح النظام المختلط الذي يجمع بين الخيارات العامة والخاصة أكثر شيوعاً. ولكن حتى في النظام المختلط، يلزم إجراء بعض الإصلاحات للتأكد من أن معاشات التقاعد مستدامة وكافية.
ويتمثل التحدي الرئيسي الذي يواجه أنظمة الدفع أولاً بأول في الحاجة إلى التكيف مع تحولات ديموغرافية واقتصادية بنيوية رئيسية. مع تقدم السكان في العمر، وانخفاض معدلات الخصوبة، وغيرها.
في السنوات الـ 25 الأخيرة، كانت جهود إصلاح معاشات التقاعد في أوروبا تركز على التغييرات التي تزيد من سن التقاعد الفعلي، وتعادل القواعد التي تحكم التقاعد بين الرجال والنساء، وتعزز الارتباط بين مساهمات الأفراد والفوائد التي يحصلون عليها.
في أي إصلاح جيد، لا يمكن فصل نظام معاشات التقاعد عن سوق العمل والاقتصاد. وتعتبر أسواق العمل الديناميكية الشاملة، التي تسهل على العمال العثور على وظيفة وتيسر لأصحاب العمل استئجار العاملين، أفضل شرط مسبق لتطبيق أنظمة معاشات التقاعد المناسبة.
يجب أن تضمن الإصلاحات أيضاً أن تعمل معاشات التقاعد العامة على تعزيز التضامن الاجتماعي، حتى لا يعاني المحرومون في سوق العمل عند التقاعد. يظل النمو الاقتصادي يشكل المتغير الرئيسي الذي يحدد مدى كفاية واستدامة الأنظمة العامة القائمة على الدفع أولاً بأول. وإن إصلاحات نظام معاشات التقاعد ليست مجرد مسألة فنية قابلة للحلول التكنوقراطية. فبسبب تأثيرها على الثروة، والتوقعات، وخطط الحياة، تعتبر هذه الإصلاحات سياسية، ويجب أن تنال موافقة المؤسسات الحكومية ودعم الرأي العام.
* وزيرة العمل والسياسات الاجتماعية والمساواة بين النوعين الاجتماعيين في إيطاليا سابقاً، والمنسقة العلمية في مركز أبحاث معاشات التقاعد وسياسات الشؤون الاجتماعية.