«فناء ليس لأحد: صعود أمريكا اللاتينية»؛ هكذا عنونت مجلة ليكونوميست غلاف عددها الصادر في 11 سبتمبر 2010. وكان ضمن صفحات المجلة تقرير خاص قدم نظرة متفائلة بشأن مستقبل المنطقة. ولا عجب في ذلك، نظراً إلى أن ارتفاع أسعار السلع الأساسية يمكّن معظم بلدان أمريكا اللاتينية من توسيع نطاق البرامج الاجتماعية، والحد من الفقر وعدم المساواة، إلى حد كبير.وتمكنت الحكومات في جميع أنحاء المنطقة من تحسين مستويات المعيشة، سواء كان ذلك بقيادة الرؤساء ذوي الميول اليسارية، مثل لويز إيناسيو لولا دا سيلفا في البرازيل، ونستور كيرشنر في الأرجنتين، أو اليمينيين على غرار الرئيس ألفارو أوريبي في كولومبيا. وأدى النمو السريع للصين والطلب المتزايد على معادن أمريكا اللاتينية، و فول الصويا الخاص بها، ونفطها، إلى خلق فرص عمل وزيادة عائدات الضرائب. إضافة إلى ذلك، فإن التسهيل الكمي الذي تعتمده البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة عزز السيولة العالمية، مما أتاح كميات كبيرة من رأس المال للاستثمار.

ولكن تلك الأيام ولّت. واليوم، تقف أمريكا اللاتينية في مفترق الطرق، إذ تباطأ نموها الاقتصادي، وارتفعت مستويات المعيشة فيها، وأصبح التقدم الاجتماعي في خطر. وأصبحت الطبقة الوسطى الناشئة، الآن، معرضة للخطر، والعودة إلى الفقر أصبحت احتمالا حقيقياً للكثيرين. ولتجنب هذا السيناريو المقلق، أصبحت أمريكا اللاتينية في أمسّ الحاجة إلى زيادة الاستثمار في البنية التحتية، والتكنولوجيا، ورأس المال البشري.

ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تنمو أمريكا اللاتينية بمعدل سنوي بقيمة 2.5٪ فقط على مدى السنوات الخمس المقبلة، مما يجعلها أبطأ منطقة في العالم الناشئ والنامي، متخلفة كثيراً عن أفريقيا جنوب الصحراء، وآسيا والشرق الأوسط، وشمال أفريقيا. وفضلاً عن ذلك، فإن متوسط النمو البالغ 2.5٪ قد يكون نحو نصف وتيرة نمو أمريكا اللاتينية في السنوات الخمس التي سبقت الأزمة المالية العالمية في عام 2008. ونتيجة لذلك، من المرجح أن تزداد البطالة والفقر في جميع أنحاء المنطقة.

والأسوأ من ذلك، أن هذا لا يبدو تباطؤاً دورياً. وتشير تقديرات مختلفة إلى أن معدل النمو المحتمل لمعظم اقتصادات أمريكا اللاتينية أصبح الآن أقل بنسبة مئوية كاملة مما كان عليه في عام 2010. فعلى سبيل المثال، لم تعد كولومبيا وبيرو قادرتين على تحمّل معدل نمو بنسبة 4.5٪، كما كانت عليه الحال قبل عقد من الزمان. وفي هذه الأيام، تفترض بنوكهما المركزية أن 3.5٪ أقرب إلى الإمكانات. وباستخدام السلاسل الزمنية، أقدّر أن معدل النمو المحتمل للبرازيل قد انخفض من 3٪ منذ عقد إلى 2٪ اليوم، وفي غضون هذا الشهر، سيصدر البنك المركزي التشيلي مراجعة جديدة للنمو المحتمل الذي يتوقع السوق تراجعه من 4٪ إلى 3٪.

ومع أن تباطؤ أمريكا اللاتينية يعكس انخفاض أسعار السلع الأساسية، فإن هذا ليس هو العامل الوحيد. وصحيح أن أسعار النفط والنحاس أقل من أعلى مستوياتها في بداية هذا العقد. ومع ذلك، فقد ظلت أعلى بكثير من مستواها المتوسط في التسعينيات من القرن العشرين، عندما نمت المنطقة بوتيرة أسرع بكثير من اليوم. ومع أن تباطؤ النمو في الصين -والتباطؤ الأسرع في وارداتها- الذي له تأثير بطبيعة الحال، فإن السبب الرئيس وراء تباطؤ أمريكا اللاتينية هو قلة الاستثمار.

ونتيجة لإجراءات التقشف في جميع أنحاء المنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، انخفضت معدلات الاستثمار ولم تتعافَ، وهذا ناتج جزئياً عن السياسة الصارمة المتعلقة بالميزانية. ولأن النفقات الحالية، مثل المعاشات التقاعدية والرواتب، غالباً ما تكون محمية دستورياً، فإن من يتحمل عبء التعديل المالي هو الإنفاق الرأسمالي الأكثر مرونة. فعلى سبيل المثال، انخفضت معدلات الاستثمار (كحصة من الناتج المحلي الإجمالي) بأربع نقاط مئوية في البيرو والأرجنتين نتيجة للصدمة الأخيرة.

ولهذا يجب أن تكون زيادة مستوى الاستثمار في جميع أنحاء المنطقة أولوية قصوى، هناك حاجة أيضاً إلى زيادة الإنتاجية، وتضييق الفجوة الكبيرة بينها وبين الاقتصادات المتقدمة في هذا الصدد، ولكن من الأهمية بمكان أن تدابير زيادة الاستثمار يمكن أن تسفر عن نتائج أسرع.

ولا تتعلق قلة الاستثمارات بالبنية التحتية العامة فحسب، بل تتعلق أيضاً بالتكنولوجيا ورأس المال البشري. أولاً، لا تستثمر أمريكا اللاتينية بما فيه الكفاية في التكنولوجيا التي يمكن أن تدمج المنطقة في سلاسل القيمة العالمية. ويعكس هذا عدم وجود رؤية إقليمية مشتركة، ووجود حواجز أمام ريادة الأعمال، وعدم كفاية التمويل، خاصة بالنسبة إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وما زاد الطين بلة، هو أنه لا تقل استثمارات المنطقة إلا في الوقت الذي تتعرض فيه العمالة غير الماهرة الوفيرة نسبياً للتهديد من التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي.

ليست حاجة أمريكا اللاتينية إلى مزيد من الاستثمار قضية يمينية أو يسارية، ولكنها ببساطة مسألة ملحة. ومع أن صناع السياسة في المنطقة قد يختلفون بشأن التفاصيل، فإنهم بحاجة إلى الاتفاق على زيادة الاستثمار في المجالات الثلاثة ذات الأولوية: البنية التحتية والتكنولوجيا ورأس المال البشري. وفضلاً عن ذلك، يجب أن يأتي هذا الاستثمار من جميع المصادر، من الإنفاق العام والتمويل الخاص والتمويل الجماعي والأسواق العالمية والمؤسسات المتعددة الأطراف.

إن أمريكا اللاتينية لم تستثمر بما فيه الكفاية في السنوات القليلة الماضية، وهي لا تستثمر بما فيه الكفاية اليوم، ويجب أن يتغير هذا بسرعة إذا أرادت المنطقة الحيلولة دون أن يصبح تراجع النمو وتزايد الفقر وضعها الطبيعي الجديد.

 

* وزير المالية السابق في كولومبيا، وأستاذ زائر بجامعة كولومبيا

opinion@albayan.ae