بعيداً عن مخاطر الأمد القريب يبدو من المرجح على نحو متزايد أن تخلف الحرب التجارية عواقب مهمة طويل الأجل، على النحو الذي يؤثر في بنية الاقتصاد العالمي. فقد كان النظام متعدد الأطراف القائم على القواعد يستند لفترة طويلة إلى افتراض مفاده أن النمو والتنمية من شأنهما أن يقودا الصين بطبيعة الحال إلى اعتناق الحوكمة الاقتصادية على الطريقة الغربية. والآن بعد أن انهار هذا الافتراض إلى حد كبير، بات من المرجح أن نواجه فترة مطولة من التوتر حول الأساليب المتباينة في التعامل مع التجارة، والاستثمار، والتكنولوجيا، والدور الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد.
في حين تميل الحكومات الغربية إلى الحد من تدخلها في القطاع الخاص، تؤكد الصين سيطرة الدولة على الاقتصاد، الأمر الذي ينطوي على عواقب بعيدة المدى. على سبيل المثال، من الصعب استكشاف إعانات الدعم في القطاع المملوك للدولة، مع أن القيام بذلك أمر بالغ الأهمية لصيانة ما يعد في الغرب ساحة ممهدة تضمن تكافؤ الفرص للجميع.
علاوة على ذلك، يُدار الاستثمار المباشر الأجنبي الصيني غالباً بواسطة شركات مملوكة للدولة، وبالتالي فإنه يغلف في كثير من الأحيان بالمعونة الأجنبية ــ وهو النهج الذي يمكن أن يضع الشركات الغربية في موقف الضعيف عند تقديم العطاءات في الدول النامية. وفي غياب أي نسخة من قانون الممارسات الأجنبية الفاسدة الأميركي، تصبح الصين على استعداد أيضاً لتوجيه الاستثمار المباشر الأجنبي نحو الدول والكيانات التي قد تتجنبها الشركات الأميركية.
ثم هناك شبكة الإنترنت. فعلى الرغم من الأهداف المشتركة عندما يتعلق الأمر بخصوصية البيانات والأمن السيبراني، تتبنى كل من الولايات المتحدة والصين أدوات تنظيمية مختلفة تماماً، التي تتشكل مرة أخرى بفِعل أفكار متضاربة حول الدور المناسب للدولة.
وعلى الجبهة التكنولوجية، ستواصل الصين أيضاً ملاحقة استراتيجية «صُنِع في الصين 2025»، التي يتلخص الهدف منها في وضع البلاد على الحدود العالمية في مجالات يعدها قادة الصين أساسية للنمو الاقتصادي والأمن الوطني. ورغم أن السياسات الأميركية المتزايدة العدوانية في إدارة التجارة والاستثمار ونقل التكنولوجيا ربما تؤدي إلى إبطاء هذه العملية، فسوف تحقق الصين أهدافها من خلال الاستثمار بكثافة في برامج البحث والتطوير، ونشر التكنولوجيا، ورأس المال البشري.
ونظراً للمنافسة الاستراتيجية الأوسع نطاقاً بين الصين والولايات المتحدة -التي تفاقمت الآن بفِعل الحرب التجارية الجارية- فلا ينبغي لنا أن نتوقع العودة إلى شكل ما من أشكال نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي كان قائماً على القواعد والقيم وأنظمة الإدارة الغربية. وقد أصبح من الممكن الآن تعريف النظام العالمي ليس على أساس القواعد المشتركة بل على أساس التوازن بين القوى الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، على سبيل المثال، من المرجح أن نشهد فرض قيود أكثر صرامة على نقل التكنولوجيا والاستثمار، وهو ما يرجع في الأساس إلى اعتبارات ترتبط بالأمن الوطني. وربما تلاحق الدول أيضاً قدراً أعظم من الاكتفاء الذاتي اقتصادياً، وهو ما ينطوي على عواقب رئيسة مؤثرة في سلاسل العرض والتجارة العالمية.
وربما يظل في الإمكان إنشاء نسخة من نظام مفتوح متعدد الأطراف؛ وهذا أمر بالغ الأهمية للدول الأصغر حجماً و/أو الأكثر فقراً. لكن مثل هذا النظام لا بد من أن يضع في الحسبان الاعتبارات الخاصة بتوازن القوى في ما يتصل بالعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وربما اقتصادات رئيسة أخرى، مثل الاتحاد الأوروبي والهند.
في عالَم حيث تتباين نماذج الحوكمة التي تتبناها القوى الرئيسة، يشكل تصميم نظام قابل للتطبيق تحدياً كبيراً. ولا يخلو الأمر من خطر حقيقي يتمثل في إرغام الدول الأصغر حجماً في نهاية المطاف على الاختيار بين مجالين متنافسين للنفوذ.
إذا كانت الحكومات تعتزم الانخراط في حروب تجارية، فيجب أن تعكف أولاً على تكوين رؤية واضحة وعملية للغاية التي تريد أن تنتهي إلى تحقيقها. وفي ضوء الظروف الحالية، تتخذ الصين موقفاً لا يتزعزع من القضايا الإقليمية والدور المركزي الذي يلعبه الحزب الشيوعي الصيني في الاقتصاد، هذا فضلاً عن هدفها المتمثل في اللحاق بالولايات المتحدة تكنولوجياً، أو حتى التفوق عليها. ولكن لا يبدو أن الولايات المتحدة قررت لأي غرض تقاتل على وجه التحديد.
بطبيعة الحال، يمكننا تمييز العديد من الأهداف المحتملة بسهولة. فالولايات المتحدة تريد خفض العجز التجاري الثنائي وإعادة وظائف التصنيع إلى الديار. وفي سعيها إلى تحقيق هذه الغاية، تريد الولايات المتحدة أن تلغي الصين إعانات الدعم، ونقل التكنولوجيا القسري، وغير ذلك من أشكال «الغش»؛ وأن تعمل على تحقيق تكافؤ الفرص للمستثمرين الأجانب في السوق الصينية، وأن تتبنى حتى ممارسات إدارية أقرب إلى النمط الغربي. كما تريد الولايات المتحدة بشكل خاص الاحتفاظ بتفوقها التكنولوجي والعسكري.
ومع ذلك فإن مدى قابلية أي من هذه الأهداف للتفاوض يظل غير واضح. ونتيجة لهذا، تبدو الحروب التجارية أقل شبهاً بتكتيكات التفاوض الخشنة، وأقرب إلى مباراة في التخمين حول قائمة من الأماني. وهذا من شأنه أن يطيل أمد الصراع، ويزيد من انعدام الثقة، وفي الأمد البعيد يزيد من صعوبة استعادة أي مظهر من مظاهر التعاون المفيد لكل الأطراف، وكل هذا ينطوي على عواقب وخيمة تضر بالاقتصاد العالمي في الأمد البعيد.
* حائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وكبير زملاء مؤسسة هوفر
opinion@albayan.ae