يستعد البرازيليون لجولة الإعادة المقرر إجراؤها في 28 أكتوبر الحالي ، بعد انتهاء الجولة الأولى التي جرت في السابع من أكتوبر الجاري، و التي تزداد احتداما بين يانير بولسوناربولسونارو وفرناندو حداد من حزب العمال اليساري، يشعر مواطنو البلاد بالإحباط وخيبة الأمل والغضب. ويخرج كثيرون إلى الشوارع وقد تملك منهم الغضب بعد سنوات من السياسات الهازئة، والفساد المذهل، والركود الاقتصادي، ومستويات فاحشة من الجريمة. ورغم أن ما يقرب من 85% من الناخبين في البرازيل البالغ عدهم 147 مليوناً يتفقون على أن البلاد تسير في الاتجاه الخطأ، فإنهم أصبحوا أكثر استقطاباً من أي وقت مضى، سواء على شبكة الإنترنت أو خارجها. وتهدد هذه الانقسامات المتزايدة العمق بإزهاق روح الديمقراطية في أكبر دولة في أميركا الجنوبية.
لم يحدث منذ استعادة الديمقراطية في عام 1985 أن كانت الانتخابات البرازيلية مثيرة للجدال ومستعصية على التكهنات إلى هذا الحد. وليس منصب الرئاسة فقط على المحك، فهناك أيضاً 27 حاكماً للولايات، و54 عضواً في مجلس الشيوخ، فضلاً عن 1600 مسؤول منتخب. ورغم أن 69% من البرازيليين يؤمنون بالديمقراطية، فإن أكثر من نصفهم يعترفون بأنهم ربما «يتعايشون» مع الحكومة ما دامت قادرة على «حل المشاكل». وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها جيل جديد من القادة الشباب الذين يعملون من أجل استعادة الثقة بالديمقراطية، يأتي ترتيب البرازيليين بوصفهم الأقل ثقة والأكثر تشاؤماً على الإطلاق بين شعوب أميركا اللاتينية اليوم. والآن، يساعد ظهور الدعاية الرقمية والأخبار الكاذبة على زيادة هذا الموقف المعقد سوءاً على سوء، ومع ذلك، فإن خنق الديمقراطية ليس قدراً لا مفر منه. ورغم صعوبة تكوين صورة تخيلية في الوقت الحالي، فإن إحياء الديمقراطية يتطلب مزيجاً من البصيرة، والوعي الذاتي، والتواضع، والشجاعة لمواجهة انقسامات طبقية وعِرقية لا يمكن التغلب عليها ظاهرياً، بل حتى تصدعات بين أفراد الأسرة الواحدة.
بين مجموعة من المرشحين الرئاسيين الذين شاركوا في الدورة الاولى ، يزدهر قِلة بينهم على الانقسامات، في حين يدعو أغلبهم ــ بمن فيهم مارينا سيلفا، المرأة الوحيدة التي شاركت في السباق ــ إلى أرضية وَسَط. ولكن من المؤسف أن الشعبويين في صعود، وقد ناضل البراغماتيون لشق طريقهم رغم المقاومة. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن الانتخابات التي رحلت إلى جولة ثانية من المنافسة بين الزعيم يانير بولسونارو ومرشح حزب العمال اليساري فرناندو حَدَّاد، عمدة ساو باولو سابقاً.
على الرغم من 27 عاماً قضاها في الحكومة، يخوض بولسونارو حملته الانتخابية بوصفه شخصاً من الخارج يسعى إلى «تجفيف المستنقع» وتوضيح الرؤية. وبمباركة الرئيس السابق لويز إيناسيو لولا دا سيلفا، زعيم حزب العمال السابق السجين، يَعِد حَدَّاد باستعادة الرخاء الاقتصادي. ورغم أن ثلث البرازيليين على الأقل يحتشدون حول بولسونارو، فإن نسبة أكبر من الناخبين، بما في ذلك ائتلاف النساء متنامي الحجم، يعارضونه بشدة.
اكتسب بولسونارو قاعدة عريضة بدرجة مدهشة، ومتعصبة في بعض الأحيان، من الأتباع. ويشاطره قسم من قاعدته الانتخابية ــ 60% منهم من الرجال بين سن 16 إلى 24 سنة ــ رؤيته للعالَم. كما يعشق العديد من البرازيليين، بمن في ذلك بعض النساء، رسالته «الخشنة الصارمة المناهضة للجريمة». ويرى العديد من كبار رجال الأعمال في البلاد في بولسونارو ــ جنباً إلى جنب مع رفيقه في الانتخابات الجنرال العسكري المتقاعد هاملتون مورافو، ومستشاره المالي من كلية شيكاغو، باولو جويديس ــ حصناً ضد عودة حزب العمال.
على مدار ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمن، انتظر بولسونارو في الظل، في البداية كعضو في مجلس المدينة ثم كعضو في الكونجرس، حتى هذه اللحظة على وجه التحديد. وعلى وعد بتنصيب «حكومة نظيفة» وفرض «القانون والنظام»، وبتصوير نفسه على أنه بطل الجيش والشرطة، اكتسب بولسونارو المؤهلات اللازمة لقيادة ردة فعل سلطوية عنيفة. وقد أيد بشكل متكرر السلطة العسكرية التي حكمت في الفترة من 1964 إلى 1985، وفي عام 1999، دعا إلى إغلاق الكونغرس الوطني، وأعرب عن أسفه لأن النظام لم يقتل ثلاثين ألف شخص آخرين، بدءاً بالرئيس البرازيلي السابق فرناندو إنريكي كاردوسو.
يرفض بولسونارو بشكل أساسي عِلم المناخ ويؤيد انسحاب البرازيل من اتفاقية باريس للمناخ التي أبرمت عام 2015، زاعماً أن الحديث عن تغير المناخ «خزعبلات» وليس أكثر من «مؤامرة دبرها أنصار العولمة». الواقع أن الكونغرس في البرازيل، خلافاً لمجلس الشيوخ الأميركي، صَدَّق اتفاقية باريس، الأمر الذي يجعل الانسحاب أقل ترجيحاً. ولكن حتى برغم ذلك، دأب بولسونارو وأكبر ثلاثة بين أبنائه ــ وجميعهم مسؤولون منتخبون ــ على وصف الانحباس الحراري الكوكبي بأنه عملية احتيال.
إذا تعاملنا مع سجله على أساس قيمته الاسمية، فلا بد من أن يكون من الواضح أن ترشحه ليس مادة للضحك.وقد أعلن، أنه سيرفض نتيجة الانتخابات إذا لم يفز. والديمقراطية في البرازيل أحدث عهداً وأكثر هشاشة من الديمقراطية في الولايات المتحدة. الواقع أن بولسونارو لم يعتبره أحد منافساً حقيقياً حتى وقت قريب للغاية.
* المؤسِّس المشارك ومدير الأبحاث في معهد إيجارابيه وهو أحد مؤسسي ومدير مجموعة SecDev.
opinion@albayan.ae