إن السؤال الأكثر شيوعاً والذي يتم طرحه عليّ عندما أتكلم مع الناس غير الاقتصاديين يتعلق بالتعرفة الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على الواردات من الصين.
عادة ما أبدأ جوابي من خلال التأكيد مثل معظم الاقتصاديين تقريباً على كوني أعارض التعرفة الجمركية بشكل عام، وأنا أيضاً أفضل بيئة لا تتدخل فيه الحكومات بالواردات والصادرات، ويمكن للولايات المتحدة أن تنشط من خلالها وبكل حرية في الدول الأجنبية.
أنا أقر أنه يوجد لدينا عجز تجاري ضخم مع بقية العالم (حوالي 800 مليار دولار أميركي هذا العام أو 4% من الناتج المحلي الإجمالي)، وأن عجزنا التجاري مع الصين يشكل حوالي نصف ذلك الإجمالي (حوالي 400 مليار دولار أميركي)، ولكني كنت دائماً أوكد أن العجز التجاري الإجمالي يعكس حقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية تنفق أكثر مما تنتج مما يتطلب منا الحصول على الفرق من صافي الواردات.
إن من الصعب معرفة لماذا تفرض الولايات المتحدة تعرفه جمركية، وذلك لأن الإدارة لم تذكر بشكل صريح ما الذي تحاول تحقيقه من خلال عمل ذلك. إن أحد أسباب ذلك الغموض هو أن هناك العديد من المسؤولين الذين يتنافسون على التأثير على السياسة الأميركية المتعلقة بالتجارة مع الصين: وزير الخزانة ستيفن منوشين والممثل التجاري الأميركي روبرت لايثيزر ومدير التجارة وسياسة التصنيع في البيت الأبيض بيتر نافارو ووزير التجارة ويلبر روس.
لقد تقدمت الولايات المتحدة الأميركية بشكوى لمنظمة التجارة العالمية في وقت سابق من هذا العام، بعد أن أكد تحقيق مكثف أن الصينيين ينتهكون التزامات منظمة التجارة العالمية، وذلك من خلال الطلب من الشركات الأجنبية التي تريد أن تتاجر مع الصين أن يكون لديها شريك محلي، وأن تنقل التقنية لتلك الشركة، ولكن الولايات المتحدة الأميركية لم تنتظر حكم منظمة التجارة العالمية من أجل تأكيد الدعوى الأميركية والسماح بفرض التعرفة الجمركية كعقوبة على انتهاك الصين للقواعد والأحكام، كما لم تقل الولايات المتحدة إنها سوف تنهي فرض التعرفة لو تراجع الصينيون عن متطلباتهم غير القانونية المتعلقة بنقل التقنية.
يقول المسؤولون الصينيون إن سياستهم واضحة، وهي أن بإمكان الشركات الأميركية الوصول للسوق الصيني فقط لو ساهمت بتقنيتها بالمقابل، ولكن هذه السياسة محرمة بشكل واضح من قبل منظمة التجارة العالمية، وهي ليست سياسة يتم تبنيها من قبل دول أخرى، ولقد أكد الرئيس الصيني تشي جينبينغ أخيراً على النهج الصيني من خلال الإعلان عن أن الشركات الأجنبية بإمكانها دخول صناعة السيارات من دون تقاسم التقنية هذا.
عندما ذهب منوشين لبكين قبل بضعة أشهر للتفاوض مع الصينيين، أحضر معه قائمة طويلة من التغييرات في السياسة الاقتصادية الصينية والتي تريد الولايات المتحدة أن تطبقها الصين بما في ذلك إنهاء ليس متطلب نقل التقنية فحسب، بل أيضاً دعم الحكومة الصينية للصناعات المختلفة. لقد رفض المفاوضون الصينيون قائمة منوشين وجادلوا بأنها طويلة جداً، وتسعى لتغيير طبيعة السياسة الاقتصادية الصينية.
أنا أعتقد أن صناع السياسات يجب أن يوضحوا للصينيين وبشكل قاطع بأن الولايات المتحدة الأميركية ستنهي التعرفة التي تفرضها في حال الاتفاق على بعض التعهدات ، وهذا سيتضمن السياسة الصينية التي تشترط على الشركات الأميركية نقل التقنية للشركاء الصينيين كشرط لعمل نشاط تجاري في الصين بالإضافة إلى الممارسة الصينية بأخذ التقنية بشكل مباشر من الشركات الأميركية، وذلك من خلال التجسس السيبراني وغيره من الطرق غير القانونية.
إن بعض المسؤولين الأميركيين يعتقدون أن حرب التعرفة الجمركية مع الصين يمكن الفوز بها لأن الصادرات الصينية هي حوالي أربعة أضعاف الصادرات الأميركية للصين وعليه يمكن للولايات المتحدة الأميركية أن تفرض عبئاً أكبر بكثير على الصادرات الصينية مقارنة بما يمكن أن يفرضه الصينيون على الصادرات الأميركية، كما أن الاقتصاد الصيني هو أكثر اعتماداً وبشكل كبير على الصادرات مقارنة بالاقتصاد الأميركي.
إن التعرفة هي في واقع الأمر ضريبة على المستهلكين الأميركيين والشركات التي تستخدم المنتجات الصينية في عمليات الإنتاج، ولكن زيادة الأسعار التي يدفعها الأميركيون مقابل الواردات الصينية وما ينتج عن ذلك من خسارة في الدخل الحقيقي هي محدودة جداً. إن الواردات السنوية من الصين تصل بالإجمالي إلى 500 مليار دولار أميركي، ولو فرضت الولايات المتحدة الأميركية تعرفة بمقدار 25% على جميع الواردات فإن الارتفاع في التكلفة على المشترين الأميركيين - على افتراض أنه لا يوجد تغيير في الأسعار التي يفرضها المصدرون الصينيون - سيكون 125 مليار دولار أميركي، ونظراً لأن الدخل القومي الأميركي يتجاوز 20 تريليون دولار أميركي فإن الزيادة السنوية ستكون أكثر من 0.5% بقليل من إجمالي الإنفاق الأميركي، ونظراً لأن من المحتمل أن يلجأ المصدرون الصينيون إلى تخفيض أسعار بعض منتجاتهم فإن زيادة التكلفة على المشترين الأميركيين ستكون أقل من 125 مليار دولار أميركي، وبالإضافة إلى ذلك فإن المشترين الأميركيين سينقلون بعضاً من مشترياتهم إلى منتجات الشركات الأميركية أو الواردات من دول أخرى مما يقلل من إجمالي التكلفة.
باختصار فإن تكلفة فرض التعرفة لن تكون ضخمة مقارنة بالمكاسب التي سيتم تحقيقها لو نجحت الولايات المتحدة في إقناع الصين بالتوقف عن الاستيلاء على تقنية الشركات الأميركية بشكل غير قانوني. يجب على البيت الأبيض أن يعلن بوضوح أن هذا هو هدف السياسة الأميركية وأنه يمكن التخلي عن التعرفة عندما تتقيد الصين بالتزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية.
* أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد ورئيس فخري للمكتب الوطني للأبحاث الاقتصادية، كما ترأس مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس رونالد ريغان من سنة 1982 إلى 1984
opinion@albayan.ae