يقترح الخبير الاقتصادي داني رودريك من جامعة هارفارد، والذي تكشف كتاباته عن نقاط الضعف التي تعيب العولمة النيوليبرالية، أننا ينبغي لنا في بعض المجالات أن نعمل على توسيع سلطة الدولة القومية ودمجها في بعض مجالات أخرى.
ويعترف مثل هذا النهج، على سبيل المثال، بالتفضيلات المحلية عندما يتعلق الأمر بمعايير سلامة المواد الغذائية والمنتجات، أو الحاجة إلى الإشراف على ما يسمى عمليات تسوية المنازعات بين المستثمرين والدولة، والتي كثيراً ما تُنتَقَد بتهمة تقويض القوانين المحلية.
ويتعين على الحكومات الوطنية أيضاً أن تدرك قيمة القيود المفروضة ذاتياً على العجز المفرط والفوائض المفرطة، وأن تقاوم التلاعب بالعملة. ولكن ربما تكون أفضل وسيلة لخفض اختلالات توازن الاقتصاد الكلي من خلال اتفاقيات تعاونية متبادلة.
بطبيعة الحال، ترغب الدول القومية في اتخاذ قراراتها الضريبية بما يتناسب مع الثقافات والظروف المحلية. ولكن الفشل في التعاون للتصدي للمنافسة الضريبية غير العادلة وإغلاق الملاذات الضريبية في الخارج من شأنه أن يؤدي إلى إلحاق أضرار لا يمكن إصلاحها بقاعدة إيرادات أي دولة وخططها المحلية للإنفاق على التعليم والرعاية الصحية والأمن.
في عام 2018 وما بعده، ينبغي لنا أن نعكف على وضع خطط واقعية للاستجابة لردود الفعل العنيفة ضد العولمة من خلال إدارة العولمة على نحو أفضل. ولا أحد يملك خريطة طريق كاملة لإيجاد التوازن بين الاقتصاد الوطني والتعاون الدولي.
ولكن أفضل طريقة للبدء تتلخص في تركيز جهود التعاون الدولي على مجالات حيث الفوائد هي الأعظم، أو حيث تكاليف التقاعس عن التعاون هي الأعلى. ولكن يتعين علينا أيضا أن نتعامل بشكل مباشر وصريح مع المسائل المتعلقة بالتوزيع، سواء في التجارة، أو تغير المناخ، أو الاستثمار، أو التنمية ونشر التكنولوجيات.
فأولاً، حان الوقت لإنشاء نظام عالمي للإنذار المبكر للأسواق المالية التي تستند إلى معايير قابلة للتطبيق عالميا لكفاية رأس المال، والسيولة، والشفافية، والمساءلة، وتتضمن بعض النقاط المتفق عليها للعمل عندما تتكاثر المخاطر. على سبيل المثال، اقترح الخبير الاقتصادي رومان فريدمان من جامعة نيويورك آلية لفرض سقف على خلق الديون الجديدة عندما تتصاعد أسعار الأصول بسرعة أكبر مما ينبغي.
وعلى نطاق أوسع، نحتاج إل توسيع نطاق جهود إعادة الهيكلة المالية بعد الأزمة بحيث تغطي المراكز المالية العالمية كافة. وإلا فإننا سنظل لا نعرف عندما تضربنا الأزمة التالية بأي مبلغ يدين من لمن، أو أين، أو على أي أساس. وسوف يكون المنتقدون على حق عندما يسألون لماذا فشلنا في التعلم من أزمة 2008 المالية.
ثانياً، يتعين علينا أن نعمل على إصلاح سلاسل الإمداد والقيمة العالمية. وبطبيعة الحال، ينبغي لنا أن نعمل على ترسيخ قواعد الملكية الفكرية، والتعريفات الجمركية وغير الجمركية العادلة. ولكن يتعين علينا أيضا أن نعالج المظالم الجوهرية التي تقع في صميم سلاسل الإمداد العالمية، والتي تغذي الاحتجاجات المناهضة للعولمة اليوم.
وينبغي للإصلاح الذكي لسلاسل الإمداد العالمية أن يستأصل ركاب المجان في مجال العمل البيئي؛ وأن يعكس اتجاه السباق الحالي إلى القاع في أسواق العمل؛ ويحد من الإتجار وغسيل الأموال؛ ويقضي على مخططات تسعير التحويلات والتهرب الضريبي التي تسمح بفرض الضرائب على السلع ــ بمعدل أقل ــ في دول لا تدخل إليها أبداً؛ ويغلق الملاذات الضريبية التي تستحوذ الآن على تريليونات الدولارات.
ثالثاً، يتعين علينا أن نعمل على تحسين التعاون في مجال الاقتصاد الكلي. فعلى مدار السنوات العشر المنصرمة، كان النمو في الناتج العالمي والتجارة أقل كثيراً مما ينبغي له أن يكون. ولم تحرز المقترحات مثل عملية التقييم المتبادل لمجموعة العشرين ومبادرة «اختلالات التوازن» في صندوق النقد الدولي سوى تقدم رمزي.
في عام 2009، اقترحت تحديد هدف نمو أسمى للاقتصاد العالمي، كوسيلة لضمان التعافي الأسرع من ركود ما بعد الأزمة. ثم في عام 2010، توصلت مجموعة العشرين إلى اتفاق تعمل بموجبه الدول المصدرة الكبرى مثل الصين على الحد من فوائض الحساب الجاري لديها بما لا يتجاوز 4% وتعمل الدول المستوردة الكبرى مثل الولايات المتحدة على تحديد سقف لعجز الحساب الجاري لديها.
ومؤخراً، قام روبرت سكيدلسكي من جامعة وارويك بتحديث هذه الفكرة الكينزية باستخدام اقتراح مفصل يلزم كل من الدائنين والمدينين بإجراء تعديلات حيثما نشأت اختلالات التوازن.
كما دعا رجل الاقتصاد جوزيف ستيجليتز الحائز على جائزة نوبل صندوق النقد الدولي إلى وضع خطة لتأمين الدول الناشئة ضد المخاطر، وبالتالي تحريرها من الاضطرار إلى الاحتفاظ باحتياطيات مفرطة، والتي تُصبِح هدّامة في الأوقات الطبيعية.
في عموم الأمر، يتطلب خفض اختلالات التوازن في الاقتصاد الكلي وتعزيز النمو تعظيم قوة مجموعة العشرين. ولابد أن يتمتع المنتدى الأول للتعاون الاقتصادي بالقدرة التنفيذية فضلا عن عضوية أوسع وأكثر تمثيلا.
عندما كنت رئيساً لوزراء المملكة المتحدة، خاضت الحكومة البريطانية حرباً ضروساً من أجل إبرام اتفاقية تجارية عالمية، في حين ظلت الهند وأميركا على خلاف حول كبح جماح الواردات الزراعية لحماية سبل معيشة المزارعين الهنود.
واليوم، وبدون مساعدة من أميركا، تناقش الدول المطلة على المحيط الهادئ اتفاقياتها التجارية المتعددة الأطراف، وهو ما يشير إلى أننا ينبغي لنا أن نخطط لوقت، بعد ترامب، عندما يُصبِح التوصل إلى اتفاقية تجارية عالمية في حكم الممكن مرة أخرى.
وكما زعم ببلاغة الخبير الاقتصادي مايكل سبنس الحائز على جائزة نوبل، ينبغي لصندوق النقد الدولي، إلى أن يحين ذلك الوقت، أن يكثف من تركيزه على المراقبة العالمية، من أجل تحديد وإزالة نقاط الضعف البنيوية في اقتصاد عالمي سريع التغير.ومن المفيد أيضا أن تتضمن خطط تمويل أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة لعام 2030 إعادة رسملة البنك الدولي لإعطائه قدراً أكبر من القدرة على الاقتراض.
وكما ناقش المشاركون في المنتدى الرائد بعنوان من مليارات إلى تريليونات في أديس أبابا بأثيوبيا قبل نحو ثلاثة أعوام، فإن أهداف التنمية في مجالات مثل البيئة، والصحة، والمساواة بين الجنسين، وتشغيل العمالة، تدعو إلى خطط تسليم إبداعية لتحقيق أقصى قدر من الاستفادة من ميزانية المساعدات العالمية التي تعادل 160 مليار دولار.
وقد اقترحت لجنة تمويل فرصة التعليم العالمي، التي أتولى رئاستها، إنشاء مرفق تمويل مشترك بين القطاعين العام والخاص قادر على تكميل المؤسسات القائمة وجمع مبلغ إضافي بقيمة 10 مليارات دولار سنويا لتمويل التعليم في مختلف أنحاء العالم.
فضلا عن ذلك، يتعين علينا أن نعمل على تطوير آليات تتجاوز إمساك وعاء التسول ببساطة. فمن خلال الإبداع فقط يُصبِح بوسعنا أن نوفر احتياجات 20 مليون لاجئ و60 مليون نازح على مستوى العالم، والذين عانوا من فظائع لا توصف، والذين تعمل الأمم المتحدة بقيادة الأمين العام أنطونيو جوتيريس على مساعدتهم بكل جدية.
من المناسب أن يحدد المجتمع الدولي أهداف تنمية طموحة. ولكن فشلنا في تحقيق هذه الأهداف من شأنه أن يدعو إلى اتهامات بالخيانة. وسوف يواصل القوميون زعمهم أن قادة التيار الرئيسي لا يستحقون الثقة، وسوف يصر المتطرفون من جميع المشارب على أن التعايش بين الدول والثقافات والأديان أمر مستحيل.
مع تراجع الدور الأميركي وتهديد خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي بعزل بريطانيا، يكاد يكون من المؤكد أن 2018 عام يحمل معه انتكاسات. ولكن الانتظار وتحين الفرصة المناسبة للعمل يُعَد أجندة جديدة من الممكن أن تضمن الرخاء لكل الدول، ليس من خلال التدابير على المستوى الوطني فحسب، بل وأيضا من خلال التعاون الدولي المعزز، بدءاً من المجالات الأكثر تبشيراً، ثم الانتشار إلى مختلف المجالات.
جوردون براون - رئيس وزراء المملكة المتحدة ووزير خزانتها سابقاً، ويشغل حالياً منصب مبعوث الأمم المتحدة الخاص لشؤون التعليم العالمي، كما يتولى رئاسة اللجنة الدولية لتمويل فرصة التعليم العالمي، ورئاسة المجلس الاستشاري لمؤسسة كاتاليست