في ما يتعلق بالتقدم نحو تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة، صُنفت الولايات المتحدة في المرتبة 42 من بين 157 بلداً في الترتيب الأخير لمؤشر أهداف التنمية المستدامة الذي ساهم في قيادته، وهو ما يقل عن جميع البلدان الأخرى ذات الدخل المرتفع. وتساءل الكاتب الدنماركي بجورن لومبورغ في حيرة من أمره. كيف يمكن لهذا البلد الغني أن يسجل درجة منخفضة للغاية؟ وظن أن «تشويه سمعة أميركا أمر شائع وسهل».
ولكن هذا لا يتعلق بأميركا. ويعتمد مؤشر أهداف التنمية المستدامة على بيانات قابلة للمقارنة دولياً وذات صلة بأهداف التنمية المستدامة السبعة عشر لـ157 بلداً. والحقيقة هي كالتالي: التنمية المستدامة تتعلق بالإدماج الاجتماعي والاستدامة البيئية، وليس فقط بالثروة. وتصنف الولايات المتحدة في ترتيب متأخر عن البلدان الأخرى ذات الدخل المرتفع لأن طبقة الأثرياء الحاكمة في أميركا قد تجاهلت لسنوات عديدة العدالة الاجتماعية والاستدامة البيئية.
وبينما تدعو أهداف التنمية المستدامة إلى التخفيف من آثار تغير المناخ من خلال إزالة الكربون (الهدف 7 من أهداف التنمية المستدامة، والهدف 13)، فإن شركات الوقود الأحفوري الأميركية تقاوم بشدة. ويبلغ نصيب الفرد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون السنوية المتصلة بالطاقة في أميركا 16.4 طناً، وهو الأعلى في العالم بالنسبة لاقتصاد كبير. وعلى سبيل المثال، فإن الرقم المقارن لألمانيا هو 9.2 أطنان. وتقوم وكالة حماية البيئة الأميركية، التي أصبحت الآن في أيدي جماعات الضغط من قطاع الوقود الأحفوري، بتفكيك الأنظمة البيئية كل أسبوع (على الرغم من أن العديد من هذه الإجراءات تواجه تحدياً أمام المحكمة).
وتدعو أهداف التنمية المستدامة أيضاً إلى خفض التفاوت في الدخل (الهدف 10 من أهداف التنمية المستدامة). وقد ارتفع معدل عدم المساواة في الدخل في أميركا خلال السنوات الثلاثين الماضية، حيث بلغ المعامل الجيني 41.1، وهو ثاني أعلى معدل الاقتصادات ذات الدخل المرتفع. ومن شأن المقترحات الجمهورية لخفض الضرائب أن تزيد من عدم المساواة. كما أن معدل الفقر النسبي في الولايات المتحدة (الأسر التي تقل عن نصف متوسط الدخل)، وهو 17.5٪، هو أيضاً ثاني أعلى معدل في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي.
وبالمثل، في حين أن أهداف التنمية المستدامة تستهدف وظائف لائقة للجميع (الهدف 8 من أهداف التنمية المستدامة)، فإن العمال الأميركيين تقريباً هم الوحيدون في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية الذين يفتقرون إلى الإجازة المرضية المدفوعة والإجازة العائلية وأيام الإجازات. والنتيجة هي أن المزيد والمزيد من الأميركيين يعملون في ظروف بائسة من دون حماية الوظائف. وهناك حوالي تسعة ملايين عامل أميركي عالقون تحت خط الفقر.
وتعاني الولايات المتحدة أيضاً من سوء تغذية كبير على يد صناعة الأغذية السريعة الأميركية القوية، التي تسمم الجمهور بشكل أساسي بواسطة الوجبات الغذائية المحملة بالدهون المشبعة بالسكر والتجهيز غير الصحي والمواد الكيماوية. ونتيجة لذلك، فإن معدل السمنة هو 33.7 في المائة، وهو أعلى معدل في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة من أمراض غير معدية. ويبلغ متوسط العمر المتوقع للصحة في الولايات المتحدة 69.1 سنة، مقابل 74.9 سنة في اليابان و73.1 سنة في سويسرا.
وفي حين أن أهداف التنمية المستدامة تؤكد السلام (الهدف 16 من أهداف التنمية المستدامة)، فإن معدل جرائم القتل في الولايات المتحدة يبلغ 3.9 في كل 100.000 شخص، وهو المعدل الأعلى في أي بلد لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وأعلى عدة مرات مما كان عليه في أوروبا (معدل ألمانيا هو 0.9 في كل 100.000). شهراً بعد شهر، تحدث عمليات إطلاق نار جماعي في الولايات المتحدة، مثل مذبحة لاس فيغاس. غير أن السلطة السياسية للجماعات المدافعة على حمل السلاح، والتي تعارض القيود حتى على الأسلحة الهجومية، منعت اعتماد تدابير من شأنها تعزيز السلامة العامة.
السجن الجماعي هو نوع آخر من العنف. ومع وجود 716 سجيناً في كل 100.000 شخص، فإن أميركا لديها أعلى معدل للسجناء في العالم، أي ما يقرب من عشرة أضعاف من النرويج (71 لكل 100.000). والجدير بالذكر أن أميركا خصخصت جزئياً سجونها، مما أفضى إلی صناعة ذات مصلحة كبيرة في زيادة عدد السجناء. ولقد أصدر الرئيس السابق باراك أوباما توجيهات للتخلص التدريجي من السجون الاتحادية الخاصة، ولكن إدارة ترامب ألغتها.
كما يتساءل لومبورغ عن سبب حصول الولايات المتحدة على درجة منخفضة على معيار «الشراكة من أجل تحقيق الأهداف» العالمية، على الرغم من أن الولايات المتحدة قدمت حوالي 33.6 مليار دولار كمساعدات إنمائية رسمية في عام 2016. الجواب سهل: بالنسبة إلى الدخل القومي الإجمالي البالغ حوالي 19 بليون دولار، بلغت نسبة الإنفاق على المساعدة الإنمائية الرسمية من الولايات المتحدة 0.18٪ فقط من الدخل القومي الإجمالي - أي ما يقرب من ربع الهدف العالمي البالغ 0.7٪ من الناتج المحلي الإجمالي.
إن ترتيب أميركا المنخفض في مؤشر أهداف التنمية المستدامة لا يضعف أميركا. بل هو انعكاس محزن ومثير للقلق لثروة وقوة جماعات الضغط بالنسبة للمواطنين العاديين في السياسة الأميركية. لقد ساعدتُ مؤخراً على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة تركيز السياسة الأميركية على مستوى الدولة حول التنمية المستدامة، من خلال مجموعة من أهداف أميركا التي بدأ المرشحون في المجالس التشريعية للولايات باعتمادها. وأنا واثق بأن أميركا ستلتزم بقيم الصالح العام، سواء داخل أميركا أو كشريك عالمي للتنمية المستدامة.
* أستاذ التنمية المستدامة والسياسة والإدارة الصحية في جامعة كولومبيا، ومدير مركز كولومبيا للتنمية المستدامة وشبكة حلول التنمية المستدامة للأمم المتحدة.