إن المؤسسات الراسخة في المجتمع والتي تتمتع بالمصداقية والفعالية وتخضع للمساءلة كانت دوماً تعتبر حيوية بالنسبة لخير المجتمع الدائم ورفاهيته، فهي تحمي البلدان من التقلبات المتكررة والمقلقة سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية، كما أنها تخفف من خطر الصدمات المكلفة ولكن هذه الأيام فإن المؤسسات السياسية والاقتصادية الرئيسية تتعرض لضغط بسبب التغييرات غير الاعتيادية في بيئة العمل فيها وتأثيرات تصاعد فقدان الثقة بالنسبة لجمهور الناخبين لتلك المؤسسات.

إن التداعيات تختلف مع احتمالية أكبر بكثير للتأقلم بما في ذلك من خلال عملية منظمة نسبياً للتدمير الخلاق وإعادة البناء بالنسبة للكيانات الخاصة مقارنة بالكيانات العامة، فتلك الأخيرة تتطلب تكثيف جهود الإصلاح خشية أن تشكل عقبة أخرى لقدرة الاقتصاد العالمي على تحقيق نمو كبير وشامل على أساس دائم.

إن المؤسسات القوية تشبه شبكات الطرق المصممة بعناية والتي تعمل بشكل جيد فهي تعمل على تمكين الاقتصادات عن طريق التحقق من وجود بيئة تشغيلية مستقرة وآليات انتقال أكثر سلاسة وتعاملات اقتصادية أقل تكلفة ومخاطرة ومجموعة معتبرة من حقوق الملكية واحترام حكم القانون. إن تلك المؤسسات لا تعتبر عوامل مساعدة لمجموعة واسعة من العلاقات الرابحة فحسب ولكنها تعتبر كذلك مثل الحارس الأمين وعليه ولعقود عديدة كان ينظر لمثل تلك المؤسسات على أنها العنصر الرئيسي الذي يجعلنا نميز الاقتصادات المتقدمة عن البلدان النامية التي لاتزال تخضع لمجموعة أوسع كثيراً من الصدمات الدورية والهيكلية المضرة.

لكن في السنوات الأخيرة كانت هناك تحديات تواجه ذلك التصنيف بعد تردي وضع المؤسسات الخاصة والعامة التي لديها تأثير منهجي كبير.

بالنسبة لمجموعة الشركات الخاصة التي تزداد اتساعاً فإن المصدر الرئيسي للضغط كان تقنياً وخاصة ذلك التقدم الذي يعكس مزيجاً قوياً على نحو متزايد من الذكاء الصناعي والبيانات الكبيرة وإمكانية التنقل، ولقد كان التحدي كبيراً إن لم يكن كارثياً بالنسبة لأولئك الذين يواجهون تنافسا كبيرا من منافسين جدد قادرين على المزج بين المحتوى الذي يحدث تغييرا كبيرا والمنصات الكبيرة- إن من أهم الأمثلة على ذلك امازون وفيسبوك وجوجل ونيتفليكس واوبر- وكما يظهر من الاهتمام التنظيمي المتزايد الذي تجتذبه تلك الشركات، بالإضافة إلى الاهتمام الإعلامي المتزايد المخصص لأمور مختلفة مثيرة للجدل (مثل تلك المتعلقة «بالأخبار الزائفة» والثقافة الداخلية لإدارة الشركات) فإنه يتوجب على تلك الشركات التأقلم وأن تبقى مرنة، بينما تكتسب المزيد من التأثير والمكانة المنهجية.

إن عملية التأقلم تعتبر أصعب بالنسبة للمؤسسات العامة إذا أخذنا بعين الاعتبار أدوارها الواسعة النطاق كجهات تمكينية وتنظيمية، بالإضافة إلى دورها كحارس. إن تلك المؤسسات عادة ما تمثل خصائص «الاحتكارات الطبيعية» وعليه هي ليست محمية من التغييرات الكبيرة فحسب ولكنها أيضاً تقمع وتؤخر الابتكارات المفيدة. إن التعطيل الداخلي والمعلومات غير الكاملة والعزوف عن المخاطرة والتحيز المقصود وغير المقصود هي عوامل تجتمع من أجل إعاقة الاعتراف بأهمية التأقلم والحاجة الملحة له وحتى التقصير الأقل خطورة ـ مثل البطء في تحديث القوانين من أجل مواكبة الحقائق المتغيرة - يؤثر سلباً على الرخاء الاقتصادي.

إن هذا الفشل الواضح والمستمر للأنظمة التعليمية في تبني اختراقات تقنية مثيرة للاهتمام هي مثال معروف على هذا التعطيل ومن الأمثلة الأقل وضوحاً هو تأخر المؤسسات الاقتصادية في تحديث النهج المتعلق بالسياسات بما في ذلك من خلال تطبيق أسرع لرؤى وأدوات مهمة من العلم السلوكي والذكاء الصناعي وعلم الأعصاب وغيرها من التخصصات، كما يوجد كذلك الانحدار المستمر في برامج اكتساب المهارات.

ونتيجة لذلك فإن هناك انخفاضاً كبيراً للثقة في فعالية المؤسسات العامة علماً أن الضرر لمصداقيتها قد يقوض فعاليتها ويؤدي إلى استدامة حلقة مفرغة ناتجة عن فشلها في تحقيق نمو كبير وشامل.

إن فهمنا لكيفية تأقلم وإصلاح المؤسسات العامة لايزال يتطور مما يعني أن الحل الكامل لم يظهر بعد ولكن هناك عددا قليلا من العوامل الضرورية التي أصبحت واضحة وهي:

* الحد من الضرر بما في ذلك عن طريق مقاومة الميل الطبيعي للترويج لمقاربات وكيانات وعقليات غير فعالة بشكل متزايد وإن كانت مترسخة.

* الانفتاح بشكل أكبر على الدروس المستفادة من الجهات الخارجية التي تحدث تغييرا كبيرا والرغبة في إعادة النظر في أسس العمليات ونماذج الأعمال التجارية برمتها.

* تعزيز التواصل بين القطاعين الخاص والعام وليس فقط من اجل المحتوى المباشر ولكن ايضا كأسلوب من أجل توسيع نطاق ترسيخ أفضل الممارسات.

* تحسين أساليب الاتصالات العامة خشية من أن الفشل المستمر المتعلق بالمعلومات والقنوات التي تزداد قدما وتراكم انعدام الثقة قد يؤدي الى تفاقم الفشل العملياتي.

حتى الان فإن العديد من المؤسسات ذات النفوذ المتأصل قد تخلفت عن ركب تحديد الإصلاحات وتطبيقها وقد أدى ذلك الى زيادة مشاعر خيبة الأمل والعزلة والتهميش من قبل قطاعات من المجتمع تجاه الحكومات التي لا تستمع أو تتجاوب مع مخاوف عميقة تتعلق بانعدام الأمن الاقتصادي وهي ظاهرة تتشكل منذ سنوات عديدة والتي لا يمكن إزالتها بين عشية وضحاها وهي تؤدي بشكل متزايد الى زيادة الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

إن المؤسسات مهمة وخاصة في فترة التغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وكلما طالت فترة استعادة الثقة في المؤسسات العامة وبشكل اقل في المؤسسات الخاصة كلما زادت المعوقات التي تواجه ازدهارنا وازدهار أولادنا.

* كبير المستشارين الاقتصاديين في الاينز وكان رئيسا لمجلس التنمية العالمي للرئيس الأميركي باراك اوباما ومؤلف كتاب اللعبة الوحيدة المتوفرة: البنوك المركزية، انعدام الاستقرار وتجنب الانهيار القادم.