غالباً ما ينظر إلى الشرق الأوسط على أنه إقليم مكبل بمشهد الصراعات العنيفة، سواء بين دوله أو داخلها. أما جنوب آسيا فمحاصر هو الآخر ببعض هذه القوى ذاتها، كما تجلى في تفجر موجة من العنف في ميانمار، حيث يُطرد مسلمو الروهينغا من البلاد، لكن ما يدعو للطمأنينة إلى حد ما بالنسبة لجنوب آسيا أن صيرورته إلى مستقبل "شرق أوسطي" ليس أمراً حتمياً، وإن كانت الاحتمالية في حد ذاتها تشير إلى الوضع المحموم الذي يفرزه تيار القومية المتصاعد عبر الإقليم، وهي قومية غالبا ما تصاغ في قوالب دينية .

ويعد وضع الروهينغا على الأخص مخيفاً. فمنذ أغسطس وحملة وحشية تستهدف المدنيين، رغم الادعاء ظاهراً بأنها تركز على مسلحي الروهينغا، وتحرق قرى بأكملها، مما أجبر مئات الآلاف على النزوح إلى بنغلاديش المجاورة. لكن رغم كون حملة القمع الأخيرة مدمرة ــ إذ أنها "مثال دقيق للتطهير العرقي" بحسب وصف المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين ــ فإن اضطهاد الروهينغا ليس بجديد. فمنذ الاستقلال عام 1948، حرمت الحكومات المتعاقبة الروهينغا حتى من أبسط الحقوق، بل إنها رفضت منحهم الجنسية.

ومع إدانة المجتمع الدولي لحملة القمع، التزمت زعيمة ميانمار الفعلية أونغ سان سو تشي الصمت إلى حد كبير، وهو موقف أضر بصورتها المثالية القديمة كمناصرة شجاعة للديمقراطية وحقوق الإنسان أيما ضرر. وحتى عندما تناولت القضية أخيراً ــ خلال مؤتمر صحفي باللغة الإنجليزية عُقد بعد أسابيع من العنف ــ تحاشت ذكر الروهينغا تحديداً. وقد أُرجع رد سو تشي المثير للجدال إلى حساباتها السياسية بشأن كيفية التعامل مع جيش ميانمار الذي كان يحكم البلاد حتى العام الماضي، ولا يزال دوره يتجاوز السيطرة المدنية حتى الآن. لكن بغض النظرعن كون ردها لا يليق بفائزة بجائزة نوبل للسلام، فربما يعكس هذا الرد أيضا في الحقيقة شعوراً باللامبالاة تجاه مصير أقلية صغيرة، إذ لا تتجاوز نسبة المسلمين 4% من سكان ميانمار، وبالتالي ليس لمصالحهم وزن يذكر في تقديرها كقائدة أرستقراطية لميانمار .

إن ما بدأ كمأساة محلية قد استحال الآن إلى أزمة دولية - وليس هذا بسبب تدفق اللاجئين إلى بنغلاديش ودول أخرى فحسب. فكما هي الحال في منطقة الشرق الأوسط، تتشابك الهويات القومية والدينية في جنوب آسيا بصورة معقدة. ففي تايلاند مثلاً، نجد أن غالبية سكان الدولة بوذيون، تماما مثل ميانمار، وغالبية السكان في ماليزيا وإندونيسيا مسلمون، وفي الهند الغالبية هندوس، أما باكستان في حد ذاتها، فقد أُنشئت لتكون وطنا للأقلية المسلمة في الإمبراطورية البريطانية السابقة في الهند بعد الاستقلال.

ربما كان حصول الأقليات الدينية في منطقة جنوب آسيا على الأمن أمراً صعباً، خاصة بسبب الإرث الإمبريالي الذي خلفته كل من بريطانيا وهولندا. فقد استغلت الإمبراطورية البريطانية في الهند الأقليات لمساعدتها في فرض حكمها الاستعماري، بتقديم الوعود بتوفير حياة أفضل لهؤلاء الذين يكابدون التمييز. لكن عندما عاد البريطانيون إلى وطنهم، ظهرت ممارسات التمييز مجدداً ــ أحياناً كان يصاحبها حماسة واندفاع أكبر في ظل الاستياء من تعاون الأقليات مع الحكم الاستعماري. وكان هذا التمييز هو ما حدا بطائفة من شباب الروهينغا لاختيار طريق العنف، كما حدث في هجمات أغسطس التي استهدفت نقاطاً أمنية وأقساماً للشرطة. وربما كان من حرض هؤلاء المسلحين على ذلك رجال دين أصوليون مسلمون من الشرق الأوسط، أو حتى متعصبون من بني جلدتهم. على أية حال، فإن الهدف الأساسي لهؤلاء المسلحين الانتقام من النظام والأشخاص المسؤولين عن قمعهم وظلمهم.

في الحقيقة أنه حتى قبل تفجر الأحداث الأخيرة، لم تلق سلسلة المذابح السابقة سوى اللامبالاة من جانب المجتمع الدولي. وكما ظهر من الأهوال التي ارتكبت بحق مسلمي البوسنة خلال حروب البلقان في تسعينيات القرن الماضي، تكشف حملة الاعتداءات ضد الروهينغا حقيقة أن تعاطف الغرب مسألة انتقائية.

كان نتاج ذلك دائرة مفرغة من التطرف والعنف. فنجد منظمات إرهابية مثل داعش ، بعد هزيمتها على الأرض في سوريا والعراق، تأمل الآن بلا شك في استخدام محنة الروهينغا لتعبئة، خاصة في آسيا، لخدمة أغراضها الخاصة.

ومع تصاعد التوترات الدينية، بات التعاون الإقليمي مهدداً بالأخطار. فكيف يمكن لمنظمة مثل الآسيان، التي شجعت على تحقيق تقدم تدريجي في مجالي الأمن والتعاون الاقتصادي، أن تصمد في ظل القتل والتشريد الذي تواجهه الأقليات الدينية في دولها الأعضاء؟

إن كان لنا أن نتحاشى كارثة جيوستراتيجية،وينبغي للأمم المتحدة أن يكون لها قصب السبق في هذا الأمر بالالتزام بإنهاء أزمة الروهينغا. وسيساعد أي تدخل ناجح على ترميم الصورة المشوهة للمؤسسات متعددة الأطراف، ناهيك عن كونه واجباً أخلاقياً. إن العالم ليس بحاجة لإقليم آخر مفتت سياسياً غارق في وحل النزاعات العنيفة.

* مستشار أول في معهد مونتين في باريس.