لسنوات عديدة، أساء الأميركيون فهم التهديد النووي الذي تفرضه كوريا الشمالية، فأخفقوا بالتالي في تقدير كيفية التعامل مع هذا التهديد. كما أساءوا فهم العجز التجاري الثنائي مع الصين، فبالغوا في تقدير أهميته. واليوم.

في حين يهدد الرئيس دونالد ترمب بإقامة حواجز تجارية جديدة ضد الصين، التي يتعين على الولايات المتحدة أن تعتمد عليها للمساعدة في كبح جِماح كوريا الشمالية المتزايدة الخطورة، أصبحت هاتان القضيتان مترابطتين بشكل وثيق. ومع ذلك، يبدو أن المسؤولين الأميركيين لم يقتربوا من إدراك أبعادهما.

من الواضح أن المخاطر أعلى كثيراً عندما يتعلق الأمر بكوريا الشمالية، مع تسبب المناورات العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية هذا الأسبوع في تفاقم التوترات الحادة بالفعل. فإذا انخرطت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية في مواجهة عسكرية، فهناك خطر حقيقي يتمثل في استخدام الأسلحة النووية. وحتى الحرب التقليدية قد تكون كارثية في الأرجح.

تتصل التجارة بالتحدي النووي الكوري الشمالي، لأن العقوبات الاقتصادية الصارمة التي قد تفرضها الصين -التي قد تشمل وقف إمدادات النفط- ربما تكون أفضل رهان للعالَم لوقف البرنامج النووي الكوري الشمالي (في مقابل ضمانات أمنية معينة من الولايات المتحدة).

وربما يفهم ترامب هذه الحقيقة. ولكن من الواضح أنه يعتقد أنه قادر على استخدام التجارة الأميركية مع الصين كورقة مساومة لتأمين مساعدتها في التعامل مع كوريا الشمالية. وهو نهج خاطئ بكل تأكيد.

في بعض الأحيان، يوصَف نهج ترامب في الحكم -الذي يتسم بافتقار غير مسبوق للاهتمام بالقواعد، والمبادئ، والتحالفات، والمؤسسات- بأنه نهج قائم على عقد الصفقات. وتركز مبررات هذا النهج عادة على خلفية ترامب التجارية، التي يفترض أن تجعله صانع الصفقات الذي تحتاج إليه الولايات المتحدة. والواقع أن سلوك ترامب يعكس عدم مراعاته لبعض المتطلبات الأكثر أولية للتفاوض الناجح.

فالمفاوض البارع يدرك أن المرء يجب أن ينظر إلى المباراة من منظور اللاعب الآخر، من أجل تحديد أي النتائج ربما يعتبرها محببة، والعمل على إيجاد أرضية مشتركة. وعلاوة على ذلك، يتطلب إبرام أي اتفاق المصداقية في ما يتعلق بكل من الحوافز والعقوبات.

وتعكس محاولات ترامب لمساومة الصين الفشل على الجبهتين. فكوريا الشمالية المسلحة نوويا ليست مرغوبة من منظور الصين، ولكنها تظل أقل إثارة للمشاكل والتعقيدات من الانهيار المحتمل للنظام في الدولة، التي ربما تنتج تدفقا من اللاجئين إلى الصين وتجعل القوات الأميركية أقرب إلى حدود الصين. وعلى هذه الخلفية، ليست التهديدات التجارية الأميركية الوسيلة المناسبة لإقناع الصين بفرض الضغوط على حليفتها المزعجة.

بدلا من ذلك، ينبغي للولايات المتحدة، جنبا إلى جنب مع كوريا الجنوبية، أن تَعِد الصين بأنها لن تجد نفسها في مواجهة قوات أميركية شمال خط العرض 38 أو في مواجهة شبه جزيرة كورية نووية موحدة، إذا تسببت العقوبات التي تساندها الصين في انهيار النظام في كوريا الشمالية.

وفي الأمد الأقرب، ينبغي للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية عرض التوقف عن نشر نظام دفاع المناطق المرتفعة الأميركي الجوي (ثاد) في كوريا الجنوبية، إذا تبنت الصين وفرضت عقوبات إضافية على كوريا الشمالية.

ولكن هناك احتياج للمصداقية من جانب الرئيس الأميركي لإنجاح هذه الاستراتيجية -أو أي استراتيجية أخرى. ولكن من المؤسف أن تصريحات ترامب- سواء بشأن الماضي أو الحاضر أو المستقبل - كثيراً ما تأتي غير ملامسة للواقع. فعندما يتعلق الأمر بقضية كوريا الشمالية النووية وحدها، أظهر ترامب افتقاراً غير عادي للاتساق، والمصداقية، والمتابعة.

في يناير كتب الرئيس ترامب في إحدى تغريداته أن تطوير كوريا الشمالية للسلاح النووي القادر على الوصول إلى أجزاء من الولايات المتحدة «لن يحدث». وبحلول شهر يوليو، كانت كوريا الشمالية تختبر صاروخا ذاتي الدفع عابرا للقارات وقادراً على الوصول إلى الولايات المتحدة.

ويُعتَقَد أن كوريا الشمالية تمتلك بالفعل القدرة على إنتاج حمولة نووية مصغرة يمكن تركيبها على صاروخ ذاتي الدفع عابر للقارات، وفي وقت سابق من هذا الشهر، عندما قال الرئيس ترامب إن أي تهديد من قِبَل كوريا الشمالية «سوف يُقابَل بقدر لم ير له العالَم مثيلاً من قوة النيران والغضب».

جاء رد زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون بالتهديد بمهاجمة غوام. وبدلاً من النار والغضب، كرر: «إذا تلفظ كيم بتهديد واحد في هيئة تهديد صريح... فسوف يندم على ذلك حقا. وسوف يندم عليه بسرعة». ومن الواضح أن هذه التصريحات غير جديرة بالثقة وغير دقيقة.

وفي ديسمبر، تحدى الرئيس المنتخب دونالد ترامب آنذاك سياسة «الصين الواحدة» التي احترمها الرؤساء السابقون، من الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء.

والواقع أنه إما لم يدرك أن الصين أكثر استعدادا من الولايات المتحدة لخوض الحرب حول تايوان. على أية حال، في التاسع من فبراير، اضطر إلى التراجع عن موقفه، بعد أسبوعين فقط من تنصيبه رئيسا وسجل سابقة لعقد الصفقات في المستقبل مع الصين التي تتسم بالدهاء الاستراتيجي.

وعلى نحو مماثل، تراجع عن وعده المتكرر باعتبار الصين دولة متلاعبة بالعملة بمجرد توليه مهام منصبه. وكان التهديد منذ البداية ــ خاصة وأن الصين لو توقفت عن التدخل في سوق الصرف الأجنبي في الفترة 2015-2016، فإن النتيجة كانت لتفضي إلى رنمينبي أكثر ضعفا، وليس أكثر قوة.

والآن، تعلم الرئيس الصيني شي جين بينغ، مثله في ذلك كمثل أغلب زعماء العالَم، أن يتجاهل مثل هذه التحذيرات. والواقع أن بعض التصريحات التي تشير إلى الافتقار إلى الولاء لحلفاء أميركا -استغرق عِدة أشهر لتأكيد تأييده للمادة الخامسة من معاهدة شمال الأطلسي، وهي الفقرة الأساسية الخاصة بالدفاع الجماعي لمنظمة حلف شمال الأطلسي- جعلت حتى أوثق شركاء الولايات المتحدة مترددين في عقد الصفقات مع إدارته.

لا يزال البيت الأبيض يلاحق تدابير عدوانية في التعامل مع السياسة التجارية ضد الصين، وبعضها فقط ينطوي على أي جدارة أو استحقاق. (رغم أن جهود تعزيز حقوق الملكية الفكرية تقوم على بعض الأساس في الواقع، فإن محاولة عرقلة واردات الصلب باستخدام استثناء الأمن الوطني هزلية).

ولكن هذه المبادرات لن تفعل الكثير، وإن فعلت أي شيء، لتعزيز التوازن التجاري لصالح أميركا، أو نمو الدخل الحقيقي، أو تشغيل العمالة. ومن المؤكد أنها لن تقنع الصين بالمساعدة في تخفيف التهديد النووي الكوري الشمالي.

* أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد