انعقد في شهر نوفمبر الماضي، مؤتمر تغير المناخ للأمم المتحدة (COP 22) في مراكش، المغرب. حضر هذا المؤتمر مشاركون من جميع أنحاء العالم، بما في ذلك 38 رئيس دولة وحكومة، جاؤوا جميعاً لوضع خطة لتنفيذ اتفاق باريس حول المناخ لعام 2015.

والذي يهدف للحد من ظاهرة الاحتباس الحراري إلى ما دون درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. كان اللقاء خطوة مهمة إلى الأمام، ولكن تبقى المسألة أكثر تعقيداً - ومشحونة سياسياً – أكثر مما يعتقد معظم الملاحظين.

التعاون العالمي الذي برز في الآونة الأخيرة هو موضع ترحيب بالتأكيد. وإذا كان العمل الجماعي أمراً بالغ الأهمية للنجاح، فإن الاعتراف بالأدوار المتميزة وبمسؤوليات الحكومات في العالمين الصناعي والنامي أمر حيوي أيضاً.

لقد أنتجت البلدان الصناعية منذ فترة طويلة كميات هائلة من الانبعاثات وأنواع أخرى من التلوث، بينما تستهلك نسبة كبيرة من موارد العالم - بما في ذلك 90% من المياه في العالم من أجل تنميتها الخاصة. ونتيجة لذلك، تتمتع هذه الدول الآن بمستويات عالية من المعيشة والأمن الغذائي.

الوضع بالنسبة للبلدان النامية مختلف جداً. لقد ساهمت أقل في تغير المناخ، بينما تعاني من أسوأ آثاره، بما في ذلك نقص المواد الغذائية وفقدان سبل العيش الناجم عن الظواهر المناخية المفرطة على نحو متزايد والمتكررة مثل الفيضانات والجفاف.

وتدفع إفريقيا ثمناً باهظاً للغاية. على الرغم من أن القارة مسؤولة عن 4 % فقط من انبعاثات الغازات، تعاني إفريقيا أكثر من أي قارة أخرى من تغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتحول الفصول، والجفاف المتكاثر الذي يستنزف التنوع البيولوجي، ويدمر النظم الإيكولوجية، ويزعزع الأمن والاستقرار.

بحيرة تشاد التي كانت ذات مرة خزاناً هائلاً من المياه العذبة، فقدت 94% من مساحة سطحها منذ عام 1963، وأصبحت عرضة للجفاف بشكل دائم. وتختفي أربعة ملايين هكتار من الغابات سنوياً في إفريقيا - ضعف المتوسط العالمي.

وتوظف الزراعة التي هي في الغالب زراعة الكفاف، لتشغيل 60% من اليد العاملة الإفريقية، ما يعني دماراً واسع النطاق لسبل العيش، ناهيك عن زيادة انعدام الأمن الغذائي وضعف المحاصيل.

في الواقع، يمكن أن تنخفض المحاصيل الزراعية في إفريقيا بنسبة 20% من الآن وحتى عام 2050، مع نمو السكان بصفة مضاعفة. وهذا يعني أن قطاعات بأكملها من ساحل إفريقيا، بما في ذلك تقريباً ثلث بنيتها التحتية الساحلية، ستغمرها المياه.

بالفعل، إفريقيا لديها عشرة ملايين من «لاجئي المناخ»، إذا لم يتم فعل أي شيء، فسيكون هذا الرقم مرشحاً للارتفاع إلى ما يقرب من 60 مليوناً في غضون ثلاث سنوات فقط.

هذا يعرض للخطر ليس فقط التقدم الاقتصادي الهائل الذي عرفته القارة في السنوات الأخيرة، ولكن أيضاً الحقوق الأساسية لعشرات الملايين من الأفارقة، وتعهدت الدول الصناعية بدعم نظرائها في البلدان النامية، وفي إفريقيا تحديداً، تعزيزاً لجهودها الرامية إلى تحصين نفسها ضد تغير المناخ. ولكن وعودها متواضعة، نسبة إلى ما هو مطلوب في الواقع.

كما هو عليه الحال، تُستخدم القوة الاقتصادية كأداة سياسية، تمارس من قبل القادة محاولة للتهرب من مسؤولياتهم العالمية. لا تلتزم «القوى العظمى» في العالم باتفاقيات الأمم المتحدة الهادفة إلى تنظيم الصناعات التي تنبعث منها الغازات المسببة للاحتباس الحراري وتفريغ المعادن الثقيلة في البحر والتربة. فالدول المتقدمة مهتمة فقط بصناعاتها النووية.

بل تسيء إدارة نفايات تلك الصناعات التي يمكن أن تدمر النظم الإيكولوجية، من المحيطات إلى الغابات، في حين تصيب البشر بالأمراض الفتاكة. وقد أعلن ترامب صراحة عن نيته تجاهل اتفاق باريس.

لكن، وكما يؤكد إعلان مراكش، سوف يتطلب النجاح في التخفيف من آثار تغير المناخ الالتزام السياسي على أعلى مستوى. وعلاوة على ذلك، يجب اتخاذ إجراءات المناخ مع الأخذ بعين الاعتبار الاحتياجات الخاصة وسياق البلدان النامية، ولاسيما الاقتصادات الأقل نمواً، وتلك الأكثر عرضة لآثار تغير المناخ.

إضافة إلى هذا، يطالب الإعلان ببذل المزيد من الجهود للقضاء على الفقر، وضمان الأمن الغذائي، ومواجهة تحديات الزراعة التي يفرضها تغير المناخ. كما يدعو لمزيد من الدعم لمشاريع المناخ كبناء القدرات ونقل التكنولوجيا من البلدان المتقدمة إلى البلدان النامية.

تحقيقاً لهذه الغاية، يجب على الدول الإفريقية تحديد سبل الوصول إلى التمويل اللازم، مع تصميم آليات لدعم تنفيذ البرامج الرئيسية. وأيضاً تعزيز قدرة مؤسساتها لمواجهة مخاطر المناخ، واغتنام فرص التنمية منخفضة الكربون في مجالات الطاقة، والابتكار التكنولوجي، والصناعات «الخضراء».

ويبقى الدعم الخارجي أمراً حيوياً لتطبيق هذه الجهود، وبطبيعة الحال، مسؤولية التخفيف من آثار تغير المناخ لا تقع فقط على الحكومة. المنظمات غير الحكومية، على سبيل المثال، لها تأثير كبير بالفعل، حيث تقوم بتنفيذ برامج تعليمية وحتى بتنظيم احتجاجات لرفع الوعي بالتحديات البيئية التي نواجهها.

ولكن، في مجالات كثيرة، دور الحكومة أمر بالغ الأهمية لتمكين هذه المساهمات. في حين من المستحيل عملياً معالجة تغير المناخ على نحو فعال دون مشاركة منظمات المجتمع المدني، كثيراً ما تُقوض الحكومات تأثيرها لاعتبارات سياسية، والتي قد تميل، على سبيل المثال، إلى الدفاع عن مصالح مزودي الطاقة الحاليين عوض البدائل الخضراء من أجل الحفاظ على الوظائف الحالية.

لقد نفذت بعض الحكومات بالفعل تدابير مهمة لدعم التحول نحو المزيد من الممارسات الصديقة للبيئة، بما في ذلك الحوافز المالية وحوافز السوق. فقط بفضل المزيد من هذه المبادرات، جنباً إلى جنب مع الالتزام بتفعيل إعلان مراكش وبدعم أهداف مؤتمر عمل القمة الإفريقي، يمكن للحكومات وضع بلدانها، والعالم، على الطريق نحو تحقيق التنمية المستدامة الحقيقية.

* رئيس مركز جنوب شمال لحوار الثقافات والدراسات حول الهجرة في المغرب. وتشمل كتبه الأخيرة «آفاق جديدة لمسلمي الشتات في أميركا الشمالية وأوروبا» و«المهاجرون المغاربة المسلمون في أوروبا».