استغرق الأمر وقتاً طويلاً قبل أن تؤثر فجوة التفاوت المتزايدة الاتساع في السياسة، كما حدث بشكل مفاجئ في السنوات الأخيرة. والآن بعد أن أصبحت هذه الفجوة قضية مركزية، فلا بد أن تتحول الأولويات الاقتصادية الوطنية بشكل كبير لخلق اقتصادات ومجتمعات أكثر عدالة وشمولاً. وإذا لم يحدث هذا فقد يتبنى الناس بدائل ضارة لحكوماتهم الحالية، مثل الحركات الشعبوية التي تجتاح الآن العديد من البلدان.
يتحدث القادة السياسيون عادة عن أنماط النمو التي توزع فوائد النمو بشكل غير عادل؛ ولكنهم لا يفعلون إلا أقل القليل لعلاجها عندما يتولون السلطة. عندما تسلك الدول مسار أنماط النمو غير الشامل، يُفضي هذا عادة إلى عدم احترام الخبرة، والإحباط وخيبة الرجاء إزاء النظام السياسي والقيم الثقافية المشتركة، بل وحتى المزيد من التفتت والاستقطاب السياسي.
الإقرار بأهمية الكيفية التي يجري بها توزيع الفوائد الاقتصادية ليس جديداً بطبيعة الحال. ففي الدول النامية، لم يُفض الإقصاء الاقتصادي والتفاوت الشديد قط إلى أنماط عالية النمو طويلة الأمد. ففي ظل هذه الظروف تصبح السياسات الداعمة للنمو غير مستقرة سياسياً، وتتعطل في نهاية المطاف بفعل اضطرابات سياسية أو اجتماعية أو حتى أعمال عنف.
الواقع أن قسماً كبيراً من القيمة المضافة في التصنيع يأتي فعلياً من خدمات مثل تصميم المنتجات، والبحث والتطوير، والتسويق. وعلى هذا، فإذا وضعنا في الحسبان هذه التركيبة لسلسلة القيمة يُصبِح انحدار التصنيع ــ إنتاج سلع مادية ملموسة ــ أكثر وضوحاً.
وقد عَكَف أهل الاقتصاد على تتبع هذه الاتجاهات لبعض الوقت. فعمل الخبير الاقتصادي ديفيد أوتور وزملاؤه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا على التوثيق الدقيق لتأثير العولمة والتكنولوجيات الموفرة للعمالة على الوظائف الروتينية الرتيبة.
* مايكل سبنس أستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك، وكبير زملاء مؤسسة هوفر.