الآن بعد أن فاز دونالد ترامب على نحو غير متوقع برئاسة الولايات المتحدة، بات السؤال المفتوح هو ما إذا كان سيحكم وفقاً للمبادئ التي اتسمت بها حملته أو يتبنى نهجاً وسطياً عملياً؟
إذا حكم ترامب بما يتفق مع الحملة التي انتهت إلى انتخابه، فبوسعنا أن نتوقع إصابة الأسواق بالذعر في الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالم، فضلا عن أضرار اقتصادية من المحتمل أن تكون كبيرة. ولكن هناك من الأسباب الوجيهة ما يجعلنا نتوقع أن يحكم ترامب بطريقة مختلفة تماما.
ولكن الأرجح في واقع الأمر هو أن يسعى ترامب إلى تنفيذ سياسات واقعية وسطية. فبادئ ذي بدء، ترامب رجل أعمال يستمتع بفن عقد الصفقات، أي أنه بحكم التعريف أقرب إلى البرغماتية الواقعية من كونه إيديولوجيا ضيق الأفق. وكان اختياره خوض الانتخابات كمرشح مجرد تكتيك ولا يعكس بالضرورة معتقدات راسخة.
الواقع أن ترامب قطب ثري من أقطاب العقارات عاش كل حياته بين غيره من رجال الأعمال الأثرياء. وهو داهية من دهاة التسويق نجح في استغلال روح العصر السياسية من خلال استرضاء الجمهوريين من الطبقة العاملة ومن يطلق عليهم «ديمقراطيو ريغان»، الذين ربما دعم بعضهم سيناتور فيرمونت بيرني ساندرز في الانتخابات التمهيدية في الحزب الديمقراطي. وقد سمح له هذا بالبروز في ميدان مزدحم بالساسة التقليديين من أنصار العمل التجاري، وأنصار وول ستريت، وأنصار العولمة.
ومن المنتظر بمجرد شغله للمنصب أن يُلقي ترامب ببعض المزايا الرمزية لأنصاره في حين يرتد عائدا إلى السياسات الاقتصادية التقليدية على جانب العرض والتي فضلها الجمهوريون لعقود من الزمن. والمعروف أن مايك بنس، الرجل الذي اختاره ترامب لمنصب نائب الرئيس، سياسي جمهوري مؤيد للمؤسسة.
وكان المستشارون الاقتصاديون للحملة الانتخابية من رجال الأعمال الأثرياء، والممولين، ومطوري العقارات، وخبراء الاقتصاد من منظري جانب العرض. بل ويُقال إنه يفكر بالفعل في اختيار جمهوريين من التيار الرئيسي لحكومته، بما في ذلك رئيس مجلس النواب السابق نيوت غينغريتش، وسيناتور تينيسي بوب كوركر، وسيناتور ألاباما جوس سيشنز، والرئيس التنفيذي السابق لغولدمان ساكس ستيفن منوتشين (الذي كان أيضاً مستشاراً لحملته).
سوف يتولى الجمهوريون التقليديون وكبار رجال الأعمال الذين من المرجح أن يعينهم ترامب صياغة سياساته.
وتلتزم السلطة التنفيذية بعملية اتخاذ القرار التي بموجبها تحدد الوزارات والهيئات المعنية المخاطر والمكافآت المترتبة على السيناريوهات المختلفة، ثم تعمل على تزويد الرئيس بقائمة محدودة من الخيارات السياسية يختار من بينها. ونظراً لنقص خبرة ترامب فإنه سوف يكون أكثر اعتمادا على مستشاريه، تماما كما كان الرئيسان السابقان رونالد ريغان وجورج دبليو بوش.
وسوف يُدفَع ترامب بشكل أكبر باتجاه الوسط بفِعل الكونغرس، الذي سيضطر إلى التعامل معه لتمرير أي تشريع. وسوف يكون رئيس مجلس النواب بول ريان وقيادات الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ أكثر ميلا إلى وجهات نظر الحزب الجمهوري الأقرب إلى التيار السائد من ترامب بشأن التجارة والهجرة وعجز الموازنة. من ناحية أخرى، سوف تكون الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ قادرة على تعطيل أي إصلاحات جذرية يقترحها ترامب.
وخاصة إذا مست صميم السياسة الأميركية: الأمن الاجتماعي ونظام الرعاية الصحية، وسوف تكون تصرفات ترامب مرنة أيضا بفِعل الفصل بين السلطات بموجب النظام السياسي الأميركي، والهيئات الحكومية المستقلة نسبيا مثل بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والصحافة الحرة النابضة بالنشاط.
ولكن السوق ذاتها سوف تكون القيد الأكبر المفروض على ترامب. فإذا حاول ملاحقة سياسات مختلفة ، فسوف يأتي الرد سريعا وقاسيا: هبوط أسعار الأسهم، وانخفاض قيمة الدولار، وهروب المستثمرين إلى سندات الخزانة الأميركية، وارتفاع أسعار الذهب بشكل حاد.
وما إلى ذلك. ولكن إذا مزج ترامب سياسات أكثر اعتدالا مع سياسات التيار السائد الداعمة للأعمال، فلن يواجه تداعيات السوق. فالآن بعد أن فاز في الانتخابات، لا يوجد من الأسباب ما قد يدفعه إلى اختيار الشعبوية بدلا من السلامة.
الواقع أن الآثار المترتبة على رئاسة ترامب الواقعية البرغماتية ستكون أكثر محدودية من السيناريو الراديكالي. فأولا، سوف يتخلص ترامب من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ على أية حال، وقد ادعى أنه يعتزم إلغاء اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية، ولكنه سوف يلجأ في الأرجح إلى تعديلها على النحو الذي يُرضي العمال الأميركيين المتوسطين.
وحتى إذا كان ترامب البرغماتي راغبا في الحد من الواردات من الصين، فإن خياراته ستكون محدودة بفِعل الحكم الصادر عن منظمة التجارة العالمية مؤخرا ضد تعريفات «الإغراق الموجهة» على السلع الصينية. كثيرا ما يلجأ المرشحون من خارج المؤسسة إلى تقريع الصين خلال حملاتهم الانتخابية، ولكنهم سرعان ما يدركون بمجرد شغلهم للمنصب أن التعاون يصب في مصلحتهم.
ربما يبني ترامب جداره على الحدود المكسيكية، برغم انخفاض أعداد المهاجرين الجدد مقارنة بالماضي. ولكنه لن يضيق الخناق في الأرجح إلا على المهاجرين غير الشرعيين الذين يرتكبون جرائم عنف، بدلا من محاولة ترحيل خمسة إلى عشرة ملايين شخص. وفي الوقت نفسه، ربما يحد من تأشيرات الدخول للعمال من ذوي المهارة العالية، وهو ما من شأنه أن يستنزف بعض ديناميكية قطاع التكنولوجيا.
من المؤكد أن مزيج السياسات في ظل إدارة ترامب البرغماتية سيكون غير مترابط إيديولوجياً وضاراً بالنمو بشكل معتدل. ولكنه سيكون مقبولاً بشكل أكبر كثيراً بين المستثمرين ــ والعالَم ــ مقارنة بالأجندة المتطرفة التي وعد بها ناخبيه.
* نورييل روبيني الرئيس التنفيذي لمؤسسة روبيني ماكرو أسوشيتس، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال في جامعة نيويورك