يبدو أن العلاقة بين السياسة والاقتصاد تتغير. فالآن يخوض الساسة في الدول المتقدمة صراعات غريبة، وبغيضة وسامّة غالباً، بدلاً من البناء على الإجماع الاقتصادي المتنامي حول كيفية الإفلات من فترة مطولة من النمو البطيء المتفاوت. ولابد من عكس هذا الاتجاه قبل أن يتسبب في إصابة العالَم المتقدم بالشلل هيكلياً ويكتسح الاقتصادات الناشئة أيضاً.
من الواضح أن المواجهات السياسية العنيفة ليست بالأمر الجديد. ولكن حتى وقت قريب، كان بوسعنا أن نتوقع من القادة السياسيين أن ينصتوا عندما يتوصل المشتغلون بمهنة الاقتصاد إلى إجماع تكنوقراطي على نهج بعينه في التعامل مع السياسة العامة.
وحتى عندما كانت الأحزاب السياسية الأكثر تطرفاً تحاول الدفع بأجندة مختلفة، كانت قوى عاتية ــ سواء الضغط الأخلاقي أو قروض صندوق النقد ــ تضمن دائماً تقريباً فوز النهج القائم على الإقناع في نهاية المطاف.
في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كان ما يسمى إجماع واشنطن يهيمن على عملية صُنع السياسات في قسم كبير من العالَم، وكان الجميع من الولايات المتحدة إلى عدد كبير من الاقتصادات الناشئة يلاحقون خطط تحرير التجارة، والخصخصة، وزيادة استخدام آليات الأسعار، ورفع القيود المفروضة على القطاع المالي، والإصلاحات المالية والنقدية.
كانت الحكومات الجديدة - وخاصة تلك التي تقودها حركات غير تقليدية ارتفعت إلى السلطة ممتطية موجات من عدم الارتياح والإحباط في الداخل إزاء الأحزاب الرئيسية، ولكن بعد سنوات من النمو البطيء إلى حد غير عادي والبعيد عن الشمول بشكل لافت للنظر، ينهار الإجماع.
وقد أثبتت المملكة المتحدة هذا في يونيو، عندما صوتت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - وهو القرار الذي تحدى بشكل مباشر الإجماع الاقتصادي الواسع النطاق على أن البقاء داخل الاتحاد الأوروبي كان في مصلحة بريطانيا.
* رئيس مجلس الرئيس الأميركي باراك أوباما للتنمية العالمية
محمد عبد الله العريان *