رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي لم تمهد الساحة للقطيعة التامة مع الاتحاد الأوروبي فحسب؛ بل إنها تبنت أيضاً رؤية غير ليبرالية بدرجة عميقة لمستقبل المملكة المتحدة، تتألف من التدخل في الاقتصاد، والقومية السياسية، وكراهية الأجانب ثقافياً. كما ترفض بيان رئيس الوزراء السابق ديفيد كاميرون الليبرالي المحافظ «الذي كفل له الفوز بأغلبية برلمانية في العام الماضي»، واحتضان مارغريت تاتشر للعولمة في ثمانينيات القرن العشرين، والتقليد البريطاني الأقدم كثيراً والمتمثل في الانفتاح الليبرالي.
وبعد كونها مؤيدة شبه صامتة للبقاء في الاتحاد الأوروبي خلال حملة الخروج، ترتدي ماي الآن عباءة شعبوية أنصار الخروج البريطاني، فتستهدف «النخب الدولية» والبريطانيين الذين يتحلون بنظرة مستقبلية عالمية.
وفي ترديد لآراء قوميين من أمثال لوبان وفيكتور أوربان، رئيس وزراء المجر السلطوي، أكدت ماي قائلة: «إذا كنت تعتقد أنك مواطن عالمي، فأنت مواطن بلا وطن. وأنت لا تفهم معنى كلمة المواطنة». ومن عجيب المفارقات في فكرة ماي أن هناك طريقة واحدة للانتماء إلى المجتمع السياسي في بريطانيا وهي طريقة غير بريطانية.
وقد طالبت ماي الشركات التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً لها بتمييز العمال البريطانيين انطلاقاً من «روح المواطنة» ــ وهو تعبير آخر لما تسميه لوبان «التفضيل الوطني». وهذا أكثر من مجرد لغة خطابية. ذلك أن وضع مواطني الاتحاد الأوروبي في المملكة المتحدة يشكل ورقة مساومة في مفاوضات الخروج البريطاني المقبلة. وتريد ماي عدم إدخال المهاجرين من الاتحاد الأوروبي في المستقبل، والذين تتهمهم بالخطأ بالاستيلاء على وظائف البريطانيين والتسبب في كساد أجورهم.
* المستشار الاقتصادي الأسبق لرئيس المفوضية الأوروبية، وكبير زملاء زائر في المعهد الأوروبي التابع لكلية لندن للاقتصاد.