زعم نيتشه أن أوروبا القارية لن يكون لها صوت قوي في الشؤون العالمية إلا من خلال الوحدة، وهو ما كان يعني في ذلك الوقت أن تكون على قدم المساواة مع الإمبراطوريتين البريطانية والروسية في »اللعبة الكبرى« الاستراتيجية التي يحظى الفائز بها بالسيطرة على أفغانستان وشمال الهند. أما البديل ــ سياسات القوة التي انخرط فيها بسمارك ــ فكان »تافهاً ضيق الأفق«، لأنه يقوم على تفتت أوروبا وتفككها.

وقد فَكَّر نيتشه ملياً في الكيفية التي قد تفرض بها هذه السياسة نفسها على أرض الواقع، فخمن أن التهديد المتنامي من قِبَل روسيا قد يحفز الوحدة. وكان يعتقد أيضا أن أوروبا القارية لابد أن »تتوصل إلى تفاهم« مع بريطانيا، التي كانت مستعمراتها تمثل شركاء تجاريين على قدر كبير من الأهمية لأوروبا.

ربما تغيرت التفاصيل، ولكن العديد من القضايا الأساسية ــ من التهديد الذي تفرضه روسيا إلى الفوائد الاستراتيجية المترتبة على التكامل الأوروبي ــ تظل هي ذاتها بلا تغير. وعن بريطانيا، فبرغم أنها لم تعد إمبراطورية، فإنها تظل على قدر كبير من الأهمية لاقتصاد أوروبا؛ والواقع أن الجوانب اللوجستية للتجارة في أعقاب الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي تمثل قضية أساسية. ورغم أن نيتشه لم يكن ليتمكن من التنبؤ بمستوى التكامل بين المملكة المتحدة وأوروبا القارية، فقد حذر على وجه التحديد من ذلك النوع من التشرذم.

ويبدو لي أن المناقشة قد تستفيد من قدر إضافي من العمق الفلسفي، فمع وضع أفكار نيتشه في الاعتبار، سيحدث الكثير من التجاذب بين سياسة القوة التافهة الضيقة الأفق وسياسة الوحدة العظيمة النبيلة.

* مُحاضِر العلوم السياسية في جامعة كمبريدج ومؤلف كتاب »سياسة نيتشه«