في كل يوم، يواجه صناع السياسات في مختلف أنحاء العالم مجموعة مذهلة من الاختيارات. فكلما زادوا من إنفاقهم على التعليم، على سبيل المثال، قل المتاح لديهم للإنفاق على المستشفيات، أو مكافحة التلوث، أو تعزيز الإنتاجية الزراعية.

وتروج جماعات الضغط، والنشطاء، ووسائل الإعلام لقضايا بعينها ــ الألواح الشمسية، وفيروس زيكا، وإغلاق الثغرات الضريبية على الفور ــ في حين من الممكن أن تمر قضايا أخرى أقل شهرة، مثل التغذية أو الأمراض غير المعدية، تحت رادار الاهتمام العام. وتواجه السياسة في أغلب الدول ما يسمى قضايا «المسار الثالث» ــ السياسات أو البرامج (ولنقل معاشات التقاعد الحكومية) التي تتسم بالقداسة إلى الحد الذي يجعل كل من يمسها من صناع السياسات عُرضة للموت السياسي الفوري.

يتلخص جزء من المشكلة في ميل الحكومات عندما تستثمر في التحليل الاقتصادي إلى القيام بذلك لصالح كل سياسة على حِدة في كل مرة، فتتساءل ببساطة: هل يكون هذا مجدياً من حيث الكلفة؟ إن كان كذلك، فلنبدأ التنفيذ إذاً.

استُخدِم هذا النهج للمرة الأولى على المستوى الوطني الشهر الماضي في بنغلاديش، حيث تعاون مركز إجماع كوبنهاغن البحثي الذي أتولى إدارته، مع منظمة براك (BRAC)، وهي أكبر منظمة للتنمية في العالم، لإدارة مشروع أولويات بنغلاديش. وتتلخص الفكرة في تقديم مدخلات بنّاءة لحكومة بنغلاديش ومانحيها من خلال تحديد المجال حيث تستطيع الموارد الإضافية أن تحقق أعظم قدر ممكن من المنفعة.

تواجه بنغلاديش العديد من الخيارات السياسية المقنعة، الأمر الذي يجعل توقيت مبادرتنا مناسباً تماماً. بدءاً من أوائل عام 2015، تولى مشروع أولويات بنغلاديش تكليف العشرات من الفِرَق من خبراء الاقتصاد المتخصصين من بنغلاديش ومختلف أنحاء العالم بدراسة 76 حلاً ملموساً لتحسين آفاق البلاد في المستقبل.

في الشهر الماضي، اجتمع فريق مكون من أربعة من أفضل خبراء الاقتصاد وأبرزهم ــ ثلاثة من أبرز علماء بنغلاديش وحائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد ــ في دكا لدراسة النتائج.

وبعد قراءة كل البحوث، أنفق أعضاء الفريق ثلاثة أيام في مناقشة النتائج وتفنيدها مع خبراء الاقتصاد المتخصصين. ولهذا فعندما قَدَّم خبراء الاقتصاد في مجال التعليم تحليلهم بشأن وضع الأطفال في فئات وفقاً لقدراتهم، بدأ فريق العلماء البارزين في التحقق من الافتراضات وفحص النتائج لتحديد مدى صمودها على أرض الواقع.

وقد حدد الفريق بعض الاستثمارات الملحوظة. وعلى رأس قائمة أولويات الفريق كان علاج مرض السل الذي يقتل نحو 80 ألف مواطن في بنغلاديش سنويا ــ وفاة واحدة من كل 11 وفاة في البلاد. وتأتي الكلفة الرئيسية من فحص نحو 60 مليون شخص آخرين، ولكن علاج هذا المرض رخيص حقاً. فإنفاق 100 دولار فقط لكل مريض على الأدوية القياسية والمتابعة في العيادات المجتمعية من الممكن أن يمنع انتقال مرض السل. ولا تقل الفوائد الإجمالية عن 21 ضعف إجمالي الكلفة. وعندما يتأمل المرء في حجم التأثير في الأسر التي لن تفقد عائلها، وعلى المجتمعات التي لن تخسر الأيدي العاملة الخبيرة، فمن المؤكد أن الفوائد الحقيقية قد تكون حتى أعلى.

وجاءت في المرتبة الثانية المشتريات الإلكترونية، الحل الرقمي الذي يعني ضمناً تحسين الإشراف على إنفاق 720 مليار تاكا (9.1 مليارات دولار أميركي) تنفقها الحكومة سنوياً لتغطية كلفة كل شيء من الجسور الجديدة إلى أقلام الرصاص. ومن الممكن أن يساعد نظام مماثل للمناقصات على الإنترنت في تعزيز المنافسة والحد من الفساد، وخفض التكاليف التي تتكبدها الحكومة بما يقدر بنحو 12%.

في المرتبة الثالثة جاءت التدخلات المبكرة في التغذية، والتي تشكل أهمية بالغة في تحديد النتائج في الأمد البعيد. ذلك أن ما يقرب من طفل واحد بين كل أربعة أطفال في بنغلاديش تحت سن الخامسة يعاني من سوء التغذية إلى حد توقف النمو والتقزم، ما يعيق النمو العقلي، ويجعل الأداء المدرسي متدنياً، ويؤدي إلى انخفاض الإنتاجية، وأسوأ النتائج الصحية، والمزيد من الأمراض في مراحل لاحقة من الحياة.

عندما نحدد ما الذي ينبغي أن يأتي أولاً، فمن الواجب علينا أن نحدد أيضاً ما الذي لا ينبغي أن يأتي أولاً. وقد يجعلنا هذا نبدو وكأننا غير مبالين. ولكن إذا لم نحدد الأولويات بوضوح، فإما أن تنتهي بنا الحال إلى نشر الموارد على نطاق غير مكثف وغير مؤثر بالتالي، أو نسمح للعمليات البيروقراطية المبهمة وتقلب اهتمامات وسائل الإعلام وضغوط جماعات الضغط بتحديد الأولويات من أجلنا.

فقد أوضح الفريق أن سرطان عنق الرحم على سبيل المثال لا ينبغي أن يأتي على رأس الأولويات في بنغلاديش. وهو أمر صعب. ذلك أن هذا المرض يقتل نحو 10 آلاف سيدة في بنغلاديش كل عام، ولكن علاجه مكلف للغاية. والواقع أن أكثر من ضِعف هذا الرقم من النساء يمتن سنوياً بسبب مرض السل، الذي يقتل أيضاً عدداً كبيراً من الرجال والأطفال.

من الواضح أن الهدف يتمثل في تمكين بنغلاديش من الاستجابة بفعالية لكل من التحديين. ولكن إذا كان لها أن تبدأ من مكان ما، فإن التحليل يُظهِر أن الكم من المال الذي قد ينقذ شخصاً واحداً من الموت بسبب سرطان عنق الرحم يكفي لإنقاذ ما يقرب من 50 شخصاً من الموت بمرض السل.

*مدير مركز إجماع كوبنهاغن، وأستاذ زائر في كلية كوبنهاغن لإدارة الأعمال.