من النمسا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية إلى بولندا والفلبين وبيرو يتصاعد نجم الشعوبيين غير الليبراليين والبعض يلوم العولمة الخارجة عن السيطرة، وآخرون يلومون انعدام المساواة، ولكن لا يزال هناك من يلقي اللوم على النخب المنعزلة عن الناس والذين بكل بساطة لا يفهمون الواقع.
إن هذه التفسيرات وإن كانت تبدو مقنعة لا تستوعب النقطة الأهم والأكبر وهي أن المشكلة سياسية وليست فقط اقتصادية، فالديمقراطية الليبرالية هي الإنجاز السياسي الأعظم للبشرية ولكن الديمقراطيين الليبراليين حول العالم يترددون في الدفاع عنها ولا عجب أنهم يخسرون المعركة من أجل الفوز بقلوب وعقول الناس.
إن المشكلة ليست جديدة بالمرة، ففي واقع الأمر المشكلة تكمن في جوهر الليبرالية، فالمفكرون الليبراليون المعارضون للرقابة أو القمع عادة ما يلجأون للحياد الأخلاقي، فهم لا يؤيدون مجموعة قيم محددة أو تعريف محدد للحياة الجيدة فالمجتمع الليبرالي يمكن مواطنيه من اختيار أسلوب الحياة الذي يناسبهم طالما الأطراف الأخرى لا تعاني بسبب ذلك.
لقد سعى الفلاسفة من جون ستيورت ميل إلى جون راولز ومارثا نوسباوما لإيجاد طريق للخروج من مأزق الليبرالية. إن الترويج لمجموعة محددة من القيم الدينية أو غيرها أو فرض تلك القيم هو عمل ينم عن انعدام الليبرالية وينطوي على التمييز..
ولكن يتوجب على الحكومات والقادة السياسيين دعم قيم مشتركة - القيم التي أطلق عليها راولز لفظ «الإجماع المتداخل» - تحدد ماهية المجتمع الليبرالي، فعلى سبيل المثال فإن قيام الولايات المتحدة الأميركية بالاحتفال بعيد ميلاد مارتن لوثر كينغ الابن يعيد تركيزها على القيمة المثالية المشتركة والمتمثلة في المساواة العرقية، لقد كان كينغ نفسه هو الذي أعطانا أفضل مثال للدفاع عن القيم والمثل بحماسة، وهناك قلة من الناس تشبهه في ذلك.
* وزير مالية سابق للتشيلي وأستاذاً للتنمية الدولية في جامعة كولومبيا.