أنهت الأرجنتين أخيراً نحو خمسة عشر عاماً من محاولات حسم مسألة الدين السيادي الأكثر إثارة للمنازعات في التاريخ الحديث، إن لم يكن على الإطلاق.
والآن أصبحت لديها الفرصة للعودة إلى دخول النظام المالي العالمي وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً. إنها الفرصة التي يتعين على الأرجنتين أن تتعامل معها بكل حذر حتى لا تهدرها.
بدأ غياب الأرجنتين الطويل عن أسواق رأس المال الدولية في ديسمبر 2001، عندما تسببت أزمة اقتصادية عميقة في جلب نهاية خطة القابلية للتحويل التي دامت عشر سنوات «والتي ربطت البيزو الأرجنتيني بالدولار الأميركي» والإيذان بما تبين لاحقاً أنه عام كامل من عطلة العمل المصرفي الناجمة عن التدابير التي أطلق عليها مسمى «كوراليتو».
بحلول عام 2005، بدا حل أزمة الديون في متناول اليد. ولكن بعض العوامل تسببت في تعقيد المفاوضات. فقد كانت الديون هائلة..
حيث تجاوزت 100 مليار دولار أميركي «بما في ذلك أقساط الفائدة المتراكمة المستحقة»؛ والواقع أن الدين الخارجي الذي عجزت الأرجنتين عن سداده كان الأكبر على الإطلاق حتى إعادة هيكلة الديون اليونانية أخيراً. وعلاوة على ذلك، كان الدين شديد التعقيد، حتى أنه انطوى على 152 نوعاً من السندات، وست عملات، وثماني مناطق قضائية.
ولكن المشكلة الأكبر التي واجهت الأرجنتين كانت عدم رغبة الدائنين في قبول مبادلة الدين المقترحة. فمع رفض ما يقرب من ربع الدائنين تحمل الخصم من أصل الدين - والذي يمثل حصة كبيرة مقارنة بالمفاوضات على ديون سيادية أخرى - أصبحت الخيارات المتاحة أمام الأرجنتين مقيدة بشدة. ولم يكن من المستغرب أن يتطلب الأمر مبادلة أخرى للدين في عام 2010.
ثم في عام 2014، أصدر قاضي المحكمة الفيدرالية في الولايات المتحدة توماس ب. جرييسا قراراً لصالح الرافضين«الذين عُرِفوا على نطاق واسع بوصف الصناديق الجشعة»، فَحَكَم بأنهم لم يتلقوا معاملة متساوية، وبالتالي فإن الأرجنتين لا يجوز لها أن تسدد أقساط دينها بعد إعادة هيكلته قبل أن تدفع للدائنين الرافضين.
وأدى ذلك القرار إلى حفز موجة جديدة من المفاوضات المتوترة - والفاشلة في نهاية المطاف - مع الدائنين الرافضين. وفي الثلاثين من يوليو، عجزت الأرجنتين عن سداد دينها للمرة الثانية في ثلاثة عشر عاماً.
مؤخراً ألغت الأرجنتين القوانين التي تمنع دفع ديونها التي تخلفت عن سدادها، على أن تسدد الدين بالكامل بحلول نهاية ذلك الشهر لحاملي السندات الذين توصلوا معها إلى تسوية. ومع توصل الحكومة الجديدة إلى تفاهم مع الدائنين الرافضين، باتت نهاية زمن عجز الأرجنتين عن سداد ديونها وشيكة، وسوف تصبح البلاد قريبا حُرة - أو هكذا يبدو الأمر.
الواقع أن الفصل الختامي من هذه المسألة لن يكون بسيطاً. فبادئ ذي بدء، في حين أنه من غير الممكن التوصل إلى قياس دقيق للتكاليف الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على التعامل مع الدائنين الرافضين، فمن المأمون أن نقول إنها كانت كبيرة. ولا تنتهي هذه التكاليف في الماضي تماماً؛ بل من المنتظر أن تخلف عواقب في المستقبل، خاصة وأن قسماً كبيراً من الديون الجديدة المستحقة في عام 2016 كان في واقع الأمر ديناً قديماً أعيد تمويله.
علاوة على ذلك، في ظل استعداد الدائنين الدوليين ورغبتهم في العودة إلى إقراض الأرجنتين، فمن الأهمية بمكان أن تتوخى البلاد الحذر بشأن تحمل أي دين خارجي جديد. وينبغي للعملية الطويلة المكلفة التي بدأت تفلت منها الأرجنتين الآن أن تقنع الحكومة الحالية والحكومات القادمة في المستقبل بضرورة توخي الحذر من مخاطر الاقتراض الخارجي. بيد أن هذه ليست المرة الأولى التي تنتهي فيها نوبة من الاقتراض الخارجي إلى نتيجة في غير مصلحة البلاد.
من منظور الأرجنتين، كان تجدد القدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية يستحق تكلفة التسوية مع الدائنين الرافضين. فلسنوات، كانت حكومة الأرجنتين تمول العجز بالاستعانة بمطبعة النقود، ما ولد التضخم.
ورغم أن حكومة الأرجنتين تحتاج بوضوح إلى الاقتراض، فإنها قد تفرط في ذلك ــ خاصة وأن حكومات المحافظات متلهفة أيضاً على الاقتراض. فبعيداً عن الحكومة المركزية، تسعى نصف محافظات الأرجنتين الأربع والعشرين «وبينها بوينس ايرس» بنشاط إلى الاقتراض من الخارج؛ وتشير بعض التقديرات إلى أن الاقتراض الوشيك من قِبَل المحافظات قد يبلغ نحو خمسة مليارات دولار أخرى من الديون الخارجية.
كان هذا الاتجاه ليصبح أقل إثارة للمخاوف لو كانت الموارد المالية لدى المحافظات سليمة وكانت آفاق النمو قوية. ولكن هذه ليست الحال.
فهناك ما لا يقل عن عشر محافظات في الأرجنتين تواجه بالفعل شكلاً ما من أشكال الأزمة الاقتصادية. ونظراً للدور الأساسي الذي لعبته تجاوزات المحافظات في الأزمة التي أفلتت منها البلاد للتو «دور أشبه بذلك الذي لعبته في أسوأ نوبة ذعر مالي في القرن التاسع عشر، أزمة بنك بارنج في عام 1890»، فلا ينبغي لنا أن نستهين بأي من هذا. وكأن حكومة الأرجنتين لم تواجه القدر الكافي من التحديات بالفعل.
تقول نكتة أرجنتينية قديمة في تهكم إن مشكلة الديون في البلاد ليست أنها خارحية، بل تكمن المشكلة في كونها أبدية. ولأن المفتاح إلى كسر دورة الرواج والكساد يكمن في إدراك الطبيعة الهشة والعابرة للموارد المالية الوفيرة في وقت مبكر، فلا نملك إلا التمسك بأهداب الأمل في عدم نسيان الدروس المستفادة من الفترة 2001-2015. وهذا يعني مقاومة إغراء تكديس مخزون باهظ التكلفة من الديون ذات العائد المرتفع.
* أستاذ النظام المالي الدولي في كلية كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد