فيما يجتمع زعماء مجموعة الدول الصناعية السبع في اليابان، تأتي هشاشة الاقتصاد العالمي على رأس الهموم. ولكن بدلاً من التركيز على حروب العملة، ينبغي لقادة الاقتصادات المتقدمة الكبرى أن يناقشوا السياسة المالية، والتي تشكل في ظل الظروف الراهنة أداة أكثر قوة من السياسة النقدية لتعزيز النشاط الاقتصادي.

فاليوم، وعلى النقيض من الحال في الأوقات العادية، لن تكون تأثيرات السياسة المالية مقيدة بأسعار فائدة مرتفعة أكثر مما ينبغي، أو نقص الطلب الخاص، أو القيود الصارمة في ما يتصل بالقدرة، أو التضخم المفرط.

كانت السياسة المالية النشطة في أوج قوتها قبل نصف قرن من الزمن. فكانت أغلب الدول المتقدمة تلاحق نهجاً معاكساً للتقلبات الدورية، فتكبح جماح الإنفاق أو تزيد الضرائب خلال فترات التوسع الاقتصادي وتوظف السياسات التحفيزية خلال فترات الركود. وعندما كان الاقتصاد يشهد انكماشاً، كانت تلاحق برامج التقشف المالي، فتتسبب بذلك في تفاقم الركود.

في يناير 2009، عندما كان الاقتصاد في انكماش، صوّت الجمهوريون ضد خطة الرئيس باراك أوباما للتحفيز المالي. ولحسن الحظ، تم تمرير السياسة رغم ذلك، فأسهمت بشكل كبير في عكس اتجاه السقوط الحر. ولكن بمجرد استيلاء الجمهوريين على مقاعد مجلس النواب في عام 2010، تمكنوا من منع محاولات أوباما الأخرى لتحفيز الاقتصاد الذي كان لا يزال ضعيفاً.

في عموم الأمر، تؤسس الدول الأوروبية خطط الميزانية على توقعات رسمية منحازة بلا ضرورة، والتي يمكن دفعها نحو سياسة مسايرة للتقلبات الدورية. قبل عام 2008، كانت كل بلدان منطقة اليورو، وليس اليونان فقط، تتجاوز «على نحو غير متوقع» سقف الثلاثة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لعجز الميزانية في بعض الأحيان.

وبعد عام 2008، كان نمط الانكماش المالي المساير للتقلبات الدورية، والذي أدى إلى انخفاض الدخل وارتفاع نسب الدين إلى الناتج المحلي، ظاهراً ليس في اليونان فقط، بل وفي أيرلندا وإيطاليا والبرتغال وأسبانيا أيضاً.

وكانت ألمانيا، ولا عَجَب، رائدة أنصار التقشف. وقد وافق الألمان على مضض في قمة مجموعة العشرين عام 2009 في لندن على أن الولايات المتحدة والصين وغيرهما من الدول الرئيسية قادرة على توسيع الطلب للمساعدة في انتشال العالم من مستنقع الركود. ولكن عندما اندلعت الأزمة اليونانية في نهاية العام، تراجع الألمان إلى معتقداتهم التي يعتنقونها بشدة بشأن الاستقامة المالية.

في مستهل الأمر، ساير صندوق النقد الدولي الزعم من قِبَل دائني اليونان بأن التقشف قد ينجح. ولكن في يناير 2013، نَشَر أوليفيه بلانشارد، كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي آنذاك، بحثاً خَلُص فيه إلى أن المضاعفات المالية كانت أعلى كثيراً من تصورات صندوق النقد الدولي، وبالتالي فإن برامج التقشف في البلدان المتعثرة الواقعة على أطراف منطقة اليورو ربما كانت مفرطة ومتهورة.

واليوم، تدرك مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاجارد تمام الإدراك أن اليونان تحتاج إلى المزيد من تخفيف أعباء الدين، وليس مطالبتها بفائض بنسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، حتى يتسنى لها أن تحقق نسبة مستدامة من الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

كما ارتكبت اليابان، التي تستضيف اجتماع مجموعة الدول الصناعية السبع هذا الأسبوع، بعض الأخطاء المالية. ففي أبريل 2014، وحتى برغم أن بنك اليابان كان ينفذ برنامجا عدوانيا للتيسير الكمي في محاولة لدفع عجلة النمو الاقتصادي، نفذ رئيس الوزراء شينزو آبي خطة رفع ضريبة الاستهلاك من 5% إلى 8%. وكما توقع كثيرون، انزلقت اليابان عائدة إلى الركود.

قريباً جداً، سوف يكون لزاماً على آبي أن يقرر ما إذا كان عليه أن يرفع ضريبة الاستهلاك مرة أخرى إلى 10%. ورغم أن المسؤولين اليابانيين لا يجافون العقل عندما يشعرون بالقلق الشديد إزاء الدين الوطني الضخم، فإن أسعار الفائدة القريبة من الصِفر تُظهِر أن الجدارة الائتمانية ليست المشكلة اليوم.

فاليابان في احتياج إلى اقتصاد أقوى. ويشير هذا بوضوح إلى أن اليابان لا ينبغي لها أن تستمر في فرض زيادة أخرى كبيرة لضريبة الاستهلاك. وما يمكنها أن تقوم به بدلاً من ذلك هو أن تتبع مسارا محددا سلفا من الزيادات السنوية الصغيرة لضريبة الاستهلاك على مدى السنوات العشرين المقبلة.

لا شك أن هناك أيضا أمثلة لبلدان استخدمت سياسة مالية معاكسة للتقلبات الدورية بما يتفق مع صالحها منذ عام 2000. فقد اغتنمت بعض الدول النامية ــ بما في ذلك شيلي وبوتسوانا وإندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية ــ فرصة سنوات الرواج لتكوين فوائض في الميزانية، وسداد الديون، وبناء الاحتياطيات النقدية.

ونتيجة لهذا، أتيح لهذه البلدان الحيز المالي الكافي لتخفيف هذه السياسات عندما اندلعت أزمة 2008-2009.

من المؤسف أن بعض ما أفلت من مسايرة التقلبات الدورية في العقد الأخير انتكس منذ ذلك الحين. ومن بين الأمثلة تايلاند، والبرازيل التي ساهم فشلها في اغتنام فرصة تجدد رواج السلع الأساسية في الفترة 2010-2011 لإنهاء عجز الموازنة في إحداث حالة الفوضى التي تعيشها البرازيل اليوم إلى حد كبير.

الواقع أن الساسة في كل مكان تقريباً ربما يُحسِنون صنعاً بإعادة قراءة فصل السياسة المالية في كتبهم المدرسية التمهيدية التي تتناول الاقتصاد الكلي.

* أستاذ تكوين رأس المال والنمو في جامعة هارفارد