كان علم النظم الغذائية أشبه بوصفة طبية لنمط موجه للمعيشة، يرشد الناس ليس فقط فيما يتصل بمسائل الطعام والشراب، بل وأيضاً كافة جوانب حياتهم التي تؤثر على رفاهتهم، بما في ذلك محال الإقامة، وممارسة التمارين الرياضية، وأنماط النوم، وحركة الأمعاء، والنشاط الجنسي، فضلاً عن المنطقة التي يهملها الطب اليوم: السيطرة العاطفية.

باختصار، كان علم النظم الغذائية مسألة تتعلق بالفضيلة بقدر ما تتعلق بالصحة البدنية. ولقد أنعمت علينا مهنة الطب بالنصائح حول الكيفية التي ينبغي للمرء أن يتناول طعامه بها، وفي الوقت نفسه حول الكيفية التي ينبغي له أن يعيش بها حياته ــ وحول الشخصية التي ينبغي له أن يكون عليها.

والواقع أن النصيحة التقليدية التي يقدمها علم النظم الغذائية الآن تبدو مبتذلة، مع تركيزها شبه المطلق على الاعتدال. على سبيل المثال، قد يوصي مستشار علم النظم الغذائية بأن يمتنع المرضى عن الإكثار أو الإقلال من الطعام؛ وأن يناموا كلما احتاجوا إلى النوم، ولكن ليس بإفراط؛ وأن يمارسوا التمارين الرياضية، ولكن ليس بعنف؛ وأن يتحكموا في الغضب والإجهاد. كان معبد أبولو في دلفي يحمل النقش التالي على جدرانه «لا إفراط»، في حين أكَّدَت فلسفة أرسطو أن الاعتدال هو الطريق إلى الخير.

ونظراً للهوس الحالي بالأنظمة الغذائية المبتدعة والبحث الأبدي عن العلاجات البسيطة لظروف صحية معقدة، فإن الاعتدال في كل شيء قد يبدو وكأنه علاج رديء.

ولكن الاعتقاد السائد في علم النظم الغذائية بأن الصحة والأخلاق وجهان لعملة واحدة يُعَد فكرة عميقة الجذور. لقد تحول الاعتدال إلى فكرة مسيطرة: فمن خلال مد جذور المشورة الطبية إلى أنظمة قوية من القيم الاجتماعية، عمل علم النظم الغذائية على تشكيل الفكر الطبي لقرون من الزمان. وكان رفض نصيحة علم النظم الغذائية لا يقل جسامة عن رفض الحكمة الأخلاقية.

* أستاذ تاريخ العلوم في جامعة هارفارد