عكست اجتماعات مجموعة العشرين، والمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، وعدد كبير من المؤسسات الفكرية والبحثية، في شهر مارس، إدراكاً متزايداً للمخاطر، التي تهدد الاقتصاد العالمي، والتي يفرضها الانكماش وعدم الاستقرار المالي المتزايد الحِدة.

وفي إطار الجهود الرامية إلى تخفيف هذه المخاطر، يشكل المسار الذي ستسلكه الصين أهمية خاصة. وبرغم أن تجنب الهبوط الحاد في الصين شرط ضروري لتحقيق التعافي العالمي فإنه غير كاف في حد ذاته.

خلافاً لنصيحة العديد من خبراء الاقتصاد الصينيين، اختار صناع السياسات في البلاد عدم اتباع النهج الغربي التقليدي المتمثل في استخدام أسعار الصرف المرنة أداة رئيسة لامتصاص الصدمات الناجمة عن تدفقات رأس المال المتقلبة، وبالتالي تحرير السياسة النقدية لتوفير السيولة اللازمة لإجراء التعديلات البنيوية المحلية.

وقد أرضى هذا خبراء الاقتصاد الغربيين والأسواق المالية العالمية، التي تنفست الصعداء عندما أكد قادة الصين التزامهم بالحفاظ على الرنمينبي مستقراً، وكان مكمن الخوف أن تسعى الصين إلى فرض سعر صرف أضعف للفرار من الانكماش، فيفضي هذا إلى جولة أخرى من خفض القيمة تنافسياً على مستوى العالم بل وحتى المزيد من الانكماش.

ولحسن الحظ، أدرك قادة الصين أنه إذا ظل العالم غارقاً في ركود الموازنات العامة فإن الافتقار إلى الطلب الكلي من شأنه أن يؤدي إلى انخفاض معدل النمو في بلادهم مع استمراره في إضعاف التجارة، ولكن بطبيعة الحال، تظل الصين في احتياج إلى إيجاد وسيلة للتعامل مع تدفقات رأس المال إلى الخارج.

في حين تواصل تنفيذ الإصلاحات البنيوية اللازمة لوضع اقتصادها على مسار النمو المستدام في الأمد البعيد، ومن ناحية أخرى، يواجه بنك الشعب الصيني المهمة، التي لا يُحسَد عليها، والمتمثلة في الحفاظ على استقرار سعر الصرف ومكافحة الانكماش، من خلال ضمان إتاحة السيولة اللازمة لدعم التحول من التصنيع إلى الخدمات والاستهلاك بأسعار معقولة.

وبالنظر إلى حجم الاحتياطات الرسمية، التي أنفقتها الصين بالفعل لتحفيز الاقتصاد، وتثبيت استقرار سعر الصرف، فضلاً عن حجم تدفقات رأس المال إلى الخارج- التي تعادل ثلاثة أمثال فائض الحساب الجاري في العام الماضي ــ فإن التكتيكات مثل خفض متطلبات الاحتياط الإلزامي سوف تشكل أهمية بالغة في هذا الصدد، وسوف يضطر بنك الشعب الصيني بطبيعة الحال إلى إحكام الرقابة على الصرف الأجنبي.

ولكنه يفكر أيضاً في غير ذلك من أدوات التحوط الكلي، مثل فرض شكل ما من أشكال ضريبة توبين على المعاملات المالية، التي اقترحت لأول مرة في عام 1972 من قِبَل الاقتصادي الحائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد جيمس توبين، من أجل تثبيط تدفقات رأس المال المتقلبة.

يتمثل العائق الرئيس، الذي يحول دون تحقيق إمكانات الاقتصادات الناشئة في الموارد المالية، مع عجز مؤسسات بريتون وودز عن توفير رأس المال اللازم. وإذا كان للعالم أن يفلت من فخ الديون والانكماش ــ ناهيك عن معالجة فجوة التفاوت المتزايدة الاتساع في الدخل والثروة ــ فمن الأهمية بمكان أن تتغير هذه الحال.

الواقع أن الذعر الذي شهدناه مؤخراً، بسبب انخفاض قيمة الرنمينبي يسلط الضوء على سبب آخر مقنع للعمل الجماعي، ففي عالم اليوم، لا أحد في مأمن من تدفقات رأس المال الضخمة والمتقلبة ــ ولا حتى البلدان التي نجحت في تكديس كميات ضخمة من التأمين الذاتي في هيئة احتياطات من النقد الأجنبي.

في الفترة 2007-2009، تمكنت الاقتصادات المتقدمة من الإفلات من أزمة سيولة طاحنة، وهو ما كان راجعاً إلى استعداد بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي للانخراط في مبادلات السيولة مع البنوك المركزية الرئيسة التابعة لدول حليفة للولايات المتحدة غالباً.

ولن يتسنى للبلدان أن تنفذ تدابير الإنعاش المطلوبة بشدة، دون الخوف المفرط من هروب رؤوس الأموال و/أو خفض سعر الصرف، إلا بالاستعانة بنظام عالمي لتأمين السيولة.

وأخيراً، لا بد من العمل الجماعي لجعل السياسة النقدية غير التقليدية أكثر فعالية، فحتى الآن، فشلت هذه السياسات في إنعاش الاقتصاد العالمي لأن البنوك التجارية وغيرها من الجهات المقرضة اختارت الاحتفاظ بالسيولة التي تلقتها من بنوكها المركزية، بدلاً من توجيهها إلى الاقتصاد الحقيقي، من خلال توفير الائتمان للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، والاستثمار في مشاريع البنية الأساسية الطويلة الأمد.

وليس من قبيل المصادفة أن أكبر البنوك والشركات وصناديق الاستثمار زادت أرصدتها النقدية في الفترة من 2010 إلى 2014 بنحو 3 تريليونات دولار أميركي ــ وهو تقريباً المبلغ الذي وسعت به البنوك المركزية في بلدان العملات الاحتياطية ميزانياتها على مدى الفترة نفسها، من خلال تمكين البلدان من إزالة القدرة الفائضة، والحد من الاستدانة.

وموازنة السياسات الضريبية ــ مع الحد من عدم اليقين الجيوسياسي في الوقت نفسه بجانب كل هذا ــ يساعد العمل الجماعي للهروب من الانكماش، وتعزيز النمو في التخفيف من عزوف المؤسسات المالية عن خوض المجازفات، وبالتالي تحسين آليات تحويل وتسليم السياسات النقدية غير التقليدية.

صحيح أن التوصل إلى إجماع عالمي أمر بالغ الصعوبة دوماً، ولكن في سياق اليوم، لا سبيل إلى تجنب هذه الضرورة. وإذا استمرت الدول في محاولة العمل بشكل منفرد، فسوف يعاني العالم بأسره.

* زميل متميز لدى معهد آسيا العالمي في جامعة هونغ كونغ

** مدير معهد IFF، وأستاذ بجامعة هونغ كونغ وزميل معهد آسيا العالمي